أحلام مجهضة وعيون ملأى بالدمع
معلمات محو الأمية في السعودية: حوادث سير قاتلة.. وأطفالهن معذبون
ال
لا تكمن أوجاع معلمات محو الأمية في السعودية في أن الواحدة منهن قد تفقد حياتها في أية لحظة بسبب التكدس أثناء التنقل اليومي من وإلى المدرسة فحسب، فالآلام تحاصرهن لأسباب عدة من بينها الانتظار الطويل الذي يكابدنه في انتظار التعيين الرسمي، علاوة على توجههن إلى مناطق قد تبعد قرابة 100 كيلومترا من أجل تأدية مهامهن في مقابل عائد مادي قد يذهب ربعه لوسيلة النقل!
وخلال الأيام الماضية برزت إلى حيز الأضواء قضية هؤلاء المعلمات، بعد تعرض 4 منهن لحادث سير في منطقة عفيف قرب الرياض، وما زالت واحدة من المصابات في غيبوبة كاملة، في حين عانت أخرى من تفتت في الكبد، وتجاوزت الاثنتان المتبقيتان مرحلة الخطر.
هذا الحادث، بالإضافة لحوادث سابقة أودت بحياة العشرات من المعلمات السعوديات، ومعلمات محو الأمية على نحو خاص، دفع بقضاياهن إلى دائرة الأحداث المهمة التي يناقشها المجتمع السعودي. وبات ملاحظا أن التعاطف الرسمي والشعبي معهن تضاعف بعد أن تكررت حوادث وسائل النقل الخاصة بهن.
وأجرت صحيفة "الوطن" السعودية اليوم الأربعاء 8-6-2005 تحقيقا عن معلمات محو الأمية، عرضت فيه إلى المعاناة الإنسانية الهائلة التي يكابدنها هن وأسرهن. بنبرة يجللها الأسى ابتدرت المعلمة سلمى حديثها قائلة "أنا إنسانة" لتشير إلى شعورها بالعزلة في قرية يكلفها الوصول إليها تلف الأعصاب وقسما من راتب لا يقوى أصلا على الصمود في وجه متطلبات الحياة.
وتضيف الصحيفة أن معاناة هؤلاء المعلمات تتضاعف بعد أن تبخر حلمهن بترسيم وظائفهن، علاوة على النظرة الدونية لمعلمة هذا البند لأنها الأقل، ولأنها لا تستطيع الاعتراض على الأعباء الإضافية التي توكل إليها دون وجه حق، وهذا خارج على نص العقد، خوفاً من فقد الوظيفة التي تتقاضى منها 2500 ريال شهرياً دون حوافز ودون راتب أثناء الإجازات.
سلمى مثلا، وهي تدرس مادة العلوم، تخرج يوميا أثناء نداء صلاة الفجر إلى قرية معزولة تبعد ما يقارب 100 كيلومتر وتدفع لسائق الحافلة 500 ريالا ومعها في الحافلة ذاتها 20 معلمة تجلس كل 2 منهما على مقعد واحد. وتوضح سلمى أنها وزميلاتها مضطرات لذلك لأن الحافلات الأخرى التي تسمح بجلوس كل واحدة على مقعد منفصل تتقاضى 800 ريالا.
وتؤكد سلمى أن تلك ليست هي التضحية الوحيدة، على الرغم من التكدس في حافلة غير مكيفة، هذا عدا الحوامل، فهذه المعلمة حاصلة على شهادة البكالوريوس بتقدير امتياز ودبلوم لغة إنجليزية ودبلوم كمبيوتر. كل هذا لم يشفع لها بتحقيق حلمها بأن تكون معلمة رسمية. وتستطرد بأن المشقة لو توقفت عند هذه الحدود، لهان الأمر، إلا أن الحقوق المهضومة وعدم تقدير الجهود وسوء المعاملة و"كأننا لسنا بشرا"، ففي حال تعطلت وسيلة النقل بهن في الصحراء - والكلام لسلمى - فإن الخصم والتوبيخ هو ما ينتظرها وزميلاتها.
عائلات هؤلاء المعلمات لا تختلف معاناتها عن معاناتهن. وإذا كانت دلال سعيد نجت من الموت بأعجوبة، حيث تخلفت عن الركوب في حافلة تعرضت لحادث مروع، ماتت بسببه كل المعلمات اللاتي كن في ذلك اليوم. فإن حظ نوف نياف العتيبي لم يكن بتلك الوفرة.
فقد تعرضت مع 3 من زميلاتها لحادث سير في منطقة عفيف قرب الرياض، خضعت لعملية جراحية في ذراعها اليسرى المصابة بحروق من الدرجة الثالثة صباح أمس. وتحدثت والدة نوف عن ظروف عملها وحياتها طيلة عامين، إذ تؤكد بأن نوف انفصلت عن زوجها وقررت العمل لتساهم بمصاريف البيت من جهة ولتكفل نفسها وطفلتها من جهة ثانية.
وتقول "تعيش نوف بمنزل جدها في مدينة عفيف وتعمل بمدرسة الصفوية منذ عامين والتي تبعد ما يقارب 75 كيلومترا ولا نراها إلا في الإجازات الطويلة والأعياد". وتكمل بأنها كانت تطلب مساعدة والدها دوما لمحاولة نقلها إلى الرياض لتعود للعيش بين أسرتها ومع ابنتها، إنما دون جدوى.
أما طفلتها روان (6 أعوام) فهي كانت تنتظر عودة أمها أثناء الإجازة الصيفية لتتمتع بالنوم في حضنها مدة 3 أشهر، أما الآن، فإن روان لا تتمنى سوى عودة والدتها فقط، وفي هذه الحال، فإنها لن تسمح لها بالعودة أبدا للمدرسة.
ويؤكد بندر شقيق المعلمة حصة قزعان العتيبي التي أصيبت في الحادث ذاته، أن شقيقته تعيش في مدينة عفيف وهي أم لثلاثة أطفال وبنت واحدة، مشيرا إلى أن أطفالها بعفيف يعيشون وقتا حرجا قلقين على والدتهم ويواظبون على الاتصال هاتفيا به للاطمئنان على صحة والدتهم.
ويطالب زوج المعلمة حصة عبد المحسن العطاوي - مدير مدرسة بعفيف - أن يتم النظر في حال معلمات بند محو الأمية يقول "طالما انه ليس هناك أمل في الترسيم فعل الأقل يتم تعيين المعلمة في المنطقة التي تعيش فيها"، مؤكدا أنه غير معترض على أن تخدم زوجته وطنها في أي مكان إلا أن ما يريده لزوجته وغيرها قليل من الإنصاف في التعيين خارج المنطقة.
ويتحدث العطاوي عن وقت الحادث موضحا أنه قد تأخر كثيرا نقل المصابات للرياض وذلك لعدم حضور طائرة الإخلاء الطبي، حيث كان مدير المستشفى بعفيف يحاول طلب طائرة وبعد انتظار طال لأكثر من 6 ساعات يقول العطاوي "قمنا بنقلهن بسيارة الإسعاف تحت مسؤوليتنا".
ويؤكد العطاوي أن حالة زوجته مازالت حرجة خصوصاً إصابتها بكسر في الفقرة الثانية من الرقبة والتي تؤثر بشكل مباشر على الحبل الشوكي وهناك احتمال إصابتها بإعاقة لذا يناشد العطاوي أن يتم علاج زوجته وزميلاتها في الداخل أو في الخارج.
وتروي معلمة اللغة الإنجليزية، موضي، حكايتها التي تتشابه في كثير من تفاصيلها مع حكايات الأخريات، وتقول "باشرت العمل مع بداية العام الدراسي الماضي وتحملت مشقة الطريق من الرياض إلى رماح في سبيل الترسيم"، مؤكدة أن المشقة لم تكن في الطريق الصحراوي وحده والفزع الذي ينتابها ورفيقاتها عند حدوث عطل في الحافلة التي تنقلهن ووقوفهن في الصحراء بل تجاوز هذا بضغط العمل وعدم الحصول على الراتب بشكل منتظم.
وتؤكد بأنها عملت لفصل دراسي كامل لم تستلم خلاله ريالا واحدا. وتروي موضي مزيدا من المعاناة التي لا تخصها وحدها بل هي تمثل جميع المعلمات اللاتي يعملن على هذا البند، مضيفة "كنت أعمل بتدريس اللغة الإنكليزية لجميع فصول المدرسة بدءا من الصف الأول المتوسط حتى الصف الثالث الثانوي بنصاب 24 حصة في الأسبوع وهذا ينافي النصاب الذي نص عليه العقد بألا يزيد العمل على 12 حصة".
وعلى الرغم من ذلك لم تعترض موضي خوفا من فقدان الوظيفة، لكن ذلك لم يشفع لها، إذ تم إلغاء عقدها فجأة بعد نهاية الفصل الدراسي الأول دون سابق إنذار ودون أي تبرير هي و6 من زميلاتها.
وينعدم الأمان الوظيفي تماما بالنسبة لهؤلاء المعلمات. هذا ما تؤكده معلمة اللغة العربية، عيدة، التي تعمل على هذا البند منذ 3 سنوات على الرغم من أنها تخرجت في كلية الآداب بتقدير جيد جدا. وتقول "لا يمكن أن يمر يوم واحد دون خوف من إلغاء العقد خصوصا مع تردد الشائعات اليومية حول هذا".
وتؤكد عيدة النظرة الدونية لها ولزميلاتها من معلمات بند محو الأمية، فتقول "المدرسة تنظر لنا كعاملات وليس كمعلمات فجميع الأوامر نتلقاها دون أي حق في الاعتراض، وجميع الأعباء الزائدة تخصص لنا، ونحن نعمل كما تعمل المعلمات الرسميات بل أحيانا أكثر منهن".
وأشارت رئيسة محو الأمية وتعليم الكبيرات في الإدارة العامة للتربية والتعليم نجوى بطيخي إلى أن هناك أكثر من 2000 معلمة يعملن على هذا البند في جدة بوظائف مختلفة من عاملات في الحراسة والأمن وموظفات حاسب آلي وفنيات مختبرات تحت مسمى معلمة. وعلقت قائلة "إن شروط البند لا تمنع العمل في وظائف أخرى طالما يحصلن على أجورهن الشهرية"
(العربيه الألكتروني)