روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: " توقوا البرد في أوله ، و تلقوه في آخره ، فإنه يفعل في الأبدان كفعله في الأشجار، أوله يحرق، وآخره يورق " يعتمد قوله على مبدأ علمي هام، و هو أن تأثير الأسباب الفاعلة يتعلق بشكل أساسي بحالة الأجسام عند تأثير المؤثر عليها فالنبات في أول الشتاء إذا جاءه البرد يجعل مجاريه تنقبض، فيقف النسغ و تسقط الأوراق، و أما البرد الذي يكون قد خفت شدته نسبياً و بدأ يعتدل، فإنه يعمل على تفليق البراعم بما فيها من أوراق و زهور، فيكون فعله جيداً و مفيداً و هذا المبدأ يطبق على كل الكائنات و منها الإنسان، و قال ابن أبي حديد هذه مسألة طبيعية ذكرها الحكماء، و قالوا: لماذا كان تأثير الخريف على الأبدان و توليد الامراض كالزكام و السعال و غيرها، أكثر من تأثير الربيع، مع انهما فصلا إعتدال؟ و قد أجابو: إن برد الخريف يفاجأ الإنسان، و هو معتاد على الحر بالصيف، فينكأ فيه [ أي يؤذيه] و يسد مسام دماغه، لأن البرد يكشف و يسد المسام. و أما المنتقل من الشتاء إلى فصل الربيع، فإنه لا يكاد برد الربيع يؤذيه الأذى، لأنه قد تعود جسمه على برد الشتاء. و يكمن التعبير عن هذا المعنى بلغتنا العصرية فنقول إن الله سبحانه و تعالى أودع معجزات كثيرة في جسم الإنسان، و من هذه المعجزات مركز في قاعدة الدماغ، قريب من موضع الغدة النخامية، أوكل الله إليه مهمة تثبيت درجة حرارة الجسم عند 37.5 س ، فإذا أنخفضت درجة الحرارة في الشتاء أمر المركز أوعية الجسم المحيطة بالإنقباض لتحافظ على درجة الحرارة ثابتة للجسم، و إذا إزدادت درجة الحرارة في الصيف أمر المركز أوعية الجسم بالتوسع لتتخلص من الحرارة الزائدة في الجسم و هو ما يعطي هذا الأمر بشكل تدريجي مع تغير الطقس. فإذا جاء الصيف أعطى هذا المركز حاثات (هرمونات) معينة تعمل على توسيع الاوعية الدموية، فتصبح منبسطة. فإذا حدث أي برد في الصيف و هي منبسطة، فإن تأثير البرد يدخل كل أنحاء الجسم عن طريق الدم المتدفق في العروق، و يكون تأثيره أعظمياً ، و لذلك قيل في المثل: " برد الصيف أحد من السيف" و أما عند مجيء الشتاء، فإن هذا المركز يعطي حاثات تعمل على تضييق قطر الاوعية، فإذا حدث البرد في آخر الشتاء و أول الربيع، فإنه لا يدخل إلى الجسم بسهوله بسبب ضيق الأوعية، فيكون تأثيره غير ضار، بل إنه ينشط الدورة الجسم في أيامه الأخيرة، حيث تكون شدة البرد قد خفت مع اقتراب الربيع فهو يعمل على توسيع الأوعية و دب روح الحيوية من جديد في كل أنحاء الجسم، تماماً كما يفعل في أغصان الأشجار، حيث يفتق فيها البراعم و الأزاهير بقدرة الله بعد همود و خمود.