تركني وحيداً وذهب . انطفأت كل المصابيح ,وذهب بريق كل الأشياء , وساد الظلام , فم أعد ارَشيئاً, ولا أسمع صوتاً, وغمرتني وحشة شديدة , وتحيرت الى أي جهة أقصد , والى أي طرف أخطو, هل أبقى في موضعي أم ماذا أفعل ,حقيقة لقد كان الححال مَهولا والمستقبل مجهولاً, ولعل هذا مقدمة العذاب ....
انجلى اللي واقبل علي كائنان عملاقان أسودان كسواد القير , لايُرى منهما شيء غير شرارات تخرج من عينيهما وحلقيهما, وشرارات أخرى تخرج من عصاتيهما الملتهبتين . دَنَيا مني حتى وصلاني وأنا في حالة خوف شديد , فمسكني أحدهما من رأسي ولآخر من قدمي وحملا بي سريعاً كالبرق الى وادٍ كبير عميق يصعد منه دخان أسود عظيم . لقد كان الوادي عظيماً لدرجة ان له سوراً ضخما ً لم أتمكن من تمييز حداًالنهايته لا من اعلى ولا من يمين ولا من يسار . اقتربنا منه فانفتح لنا بابه الذي لو اجتمعت آلاف مؤلفة من البشر لِِفتحه ما تمكنوا منه . دخنا وإذا بأصوات صراخ وعويل لنساء و رجال وغمرت مشامي رائحة كريهة نتنة فقلت للمأمورين معي :
- ماهذا المكان الذي جلبتماني اليه و لعلكما اشتبهتما في شخصي ؟
- قال أحدهما :
- نحن ملائكة الغضب لانشتبه بأحد قط , وفوقنا رقيب نأخذ منه الأمر , ورقيبنا عليه رقيب حتى يل الأمر الى الجليل الأعلى , الم تقرأ في القرآن الكريم ( لايعصون الله ما أمرهم و ويفعلون ما يؤمرون )
- أما الآخر فقال :
- وهذا وادي خصص لعذاب العاصين , ولا بد لك من قضاء بعض أنواع العذاب فيه حتى تنقى من ذنوبك .
قال كلامه وضربني بعصاه على رأسي فاشعل ناراً , وصرختُ صرخة عظيمة , وضربني الآخر على بطني فالتهبت هي الأخرى .
ذهبا عني وبقيت أتلوى وأحشائي تحترق حتى بدأت أـسمع توغل النار فيها
بأي حال سيئة كنتُ وأي آلام تحملت , بل أي صراخ صرخت ناديت وما من مجيب , واستغثت وما من مغيث . لقد كان احساسي بحرارة النار إحساس من حضر فيها فهو داخلها لامن أخبروه عنها فهو يتخيلها وشتان بين الأثنين .
بقيت بهذه الحالة ساعات شغلني ألمي فيها عما حولي , فلما هدأت النار وعاد جلدي كما كان نظرت يمينا وشملا فرأيت وادياً ليس له حدودقد انتشر فيه آلاف من ملائكة الغضب بأشكال مختلفة مرعبة يحملون سياطا مختلفة منها الغليظ والنحيف , وبعضها من نار وبعضها من مواد أخرى أجهلها , وهناك مجاميع أخرى تحمل مقامع من حديد مُحمر
قَدِم علي ملكان ظهرا فجأة فلا أعلم من اي جانب أتيا . اقتربا مني وحملاني الى غرفة مليئة بصفوف الملائكة الذين اصطفوا بشكل مرتب ومنتظم , وهم ينظرون الى ملك عظيم الخلقة قد تصدرهم وتقدم عليهم . ويبدو أنه زعيمهم ظ القياني امامه وتحدثا معه بحديث لم أفهمه وخرجا وبقيت أنظر اليه كالذليل بين يديه ارتجف خوفا ً منه .
أومأ إلى ملكين آخرَين فأتيا سريعاًوحملاني الى غرفة أخرى, إذ جاءنا فيها ملك يحمل لوحاً علقه في عنقي وقال :
- ان هذا اللوح يحمل أعمالك السيئة صغيرها وكبيرها سوى ماتبت منه , مع توضيح جزاء كل منها من العذاب ونوعه ودرجته ومدته , كما يحوي صفاتك وملكاتك السيئة التي لم تزل باقية بسبب عدماقتلاعها من جذورها في الدنيا
أجبته قائلا:
- وهل يمكن لي معرفتها ؟
- نعم يمكن لك ذلك
حملني الى غرفة اخرى , ودخلنا فيها فرأيت ملكا قد وضع امامه لوحا عظيما فلما رآني قال للمأمور معي :
- مااسمه مارمزه ؟
ذكر المأمور اسمي الكامل ورقم طويل تتخلله احرف وكلمات لم أفهمها بعدها خاطبني الملك قائلا:
- اجلس هنا
أشار الى كرسي كان في الغرفة فجلست عليه وقال :
- هل ترى هذا الكتاب ؟
- نعم أراه , ولكن ليس بكتاب كما اعرفه
- ليس بالضرورة ان يكون كتاب البرزخ بنفس صورته في عالم الدنيا بل يكفي ان يؤدي وظيفة مشابهة لما كان يؤديها , فيُطلق عليه هذا الاسم
توقف قليلا ثم استأنف كلامه فقال:
- ان كل انسان يدخل هذا الوادي مقدارا معلوما من العذاب وفترة تتناقص مع كل فترة تمضي عليه , وهذه المدة لاتزيد ولا تنقص الا بإذن الله كما ان ذلك مرتبط بما تركته في دنياك من صدقة جارية او اعمال سيئة لم يزل أثرها في الدنيا قائما .
- قل لي بالله عليك كم سأبقى أسيرا عندكم في هذا الوادي المرعب ؟
نظر الى الكتاب وتمعن فيه ثم قال :
- اننا مأمورون طبق هذا الكتاب بحبسك مدة احدى و خمسين سنة وثمانية ايام و ...
لم يكمل الملك حديثه بعد ان التفت حولي لانه رآاني قد أُغشي علي , ولولا تماسك الكرسي لسقطت منه
أفقت بسوط من احد الملائكة اللذين أحاطوا بي حينها قلت له بصوت ضعيف متقطع ولهجة آيس معترض :
- بأي ذنب كل هذه المدة انني تبت الى الله تبة خالصة قبل خمس سنين , وسعيت جاهداً في طاعة الله ورعاية حقوق الناس و ...
قاطعني الملك وقال :
- صحيح ما تقول ولولا توبتك هذه لكان لابد لك من اللبث هنا آلاف السنين , بل وقد يمتد عذابك الى يوم الحشر الأكبر ولكنبسبب توبتك الخالصة سُجلت لك هذه المدة القصيرة جدا
- احدى وخمسون سنة تقول عنها مدة قصيرة ؟
- نعم قصيرة جدا نسبة الى فترات غيرك ولولا علمي بدرجة ايمانك وتقواك ما أجبتك على أسئلتك ولا أظهرت لك هذا الاحترام , وبسبب ذلك الإيمان ستكون درجة عذابك قليلة لو قارنتها بغيرك
- وبماذا سوف تعذبونني ؟
نظر مرة أخرى الى الكتاب وقال :
- نحن مأمورون طبق هذا الكتاب بإدخالك في مئة وسبعة وثلاثين نوعا من العذاب , وها أنذا أشاهد فيه صفات سيئة لم تزل فيك وإن كانت بدرجة ضعيفة, من قبيل التكبر والعجب والرياء وصفات مختلفة أخرى.
توقف قليلا ثم استمر في حديثه فقال:
- كان عليك مراقبة نفسك في الدنيا ومحاسبتها قبل أن تُحاسب الآن , كما أنك تستهين بذنوبك الصغيرة ولم تتب منها , وكان يصيبك شيئ من العجب في طاعتك , ولديك أعمال حسة أديتها لله لكن خالطها الرياء دون أن تشعر به .
توقف مرة أخرى وتمعن في الكتاب وقال :
- وأرى في أعمالك ايضاً ظلمك لولدك خمساً وأربعين مرة و ولزوجتك سبعاً وخمسين مرة , وإسرافاً في نعم الله أربعاً وتسعين مرة , وأكلك مال حرام خمساًوستين مرة و.....
قاطعته معترضاً:
- عن أي مال حرام تتحدث ؟ إني سعيت جاهداًعلى عدم أخذ دينار واحد حرام , فمن أين أتيت بذلك ؟ إنني أرى الخطأ في كتابكم هذا .
أجابني بهدوء رغم جرأتي على اتهامهم بالخطأ في كتابهم هذا .
- انك كنت تعمل مهندساً وتتقاضى راتباً شهرياً مقابل ثمان ساعات عمل يومياً , ولديك خمس وستون حالة انشغلت فيها بأمور شخصية أثناء وقت عملك وبدون رخصة من صاحب العمل وقد أثر ذلك على انتاجية الشركة وإن كان بشكل غير ملحوظ .
توقف قليلاً ثم قال :
- لاأرى من الضروري ذكر تفاصيل أكثر , فلا بد من قضاء هذه المدة بأي حال كان . ولكن لعله يصل اليك شيئاً من أهل الدنيا يخفف عنك العذاب وينقص من مدة مكوثك , أو لعل لديك من الأعمل الحسنة ما تسمح لك بنيل شفاعة الشافعين
سلمت أمري الى الله طوعاً أو كها , وققلت لهم احملوني الى حيث يشاء ربي ....
.
.