عرض مشاركة واحدة
قديم 11-01-2004, 01:12 AM   رقم المشاركة : 8
الرضي
أخ راقي ومشرف سابق





افتراضي

مما كتب فيه


من لم ير ناجي .. بإمكانه أن يراه ، متى شاء في رسومه .. إن جميع الشخصيات الطيبة المقهورة فيها هي ناجي ، وإن حنظلة في كافة تحولاته هو ناجي ، وإن كل خط في تلك الرسوم هو خفقة من قلب ناجي .
وناجي ورسومه والأرض أسماء مترادفة لشيء واحد :
صورة شجرة الأرز في العلم اللبناني تضرب بجذورها في الأرض ، رغم أنها مجرد رسم لقماش على ورق !

إنها روح ناجي التي تطبع المستحيل بطابعها الممكن .
سارية العلم النابتة في الأرض .. تتفجر عن غصن ، والغصن يتفجر عن براعم وأوراق وراية ، رغم أن السارية خشبة ميتة .. ذلك لأن كل ما ينبت في الأرض ، هو عند ناجي ، حيّ ، ومورق ، وبشارة بالميلاد حتى لو كان حديدا .
إن الموجة المرتطمة بالشاطئ لا تعود إلى البحر .. بل تتحول - عنده - إلى يدين تتشبثان بالأرض .
والنهر العربي عندما يجف ، يتفطر الإنسان العربي الواقف على ضفته .
والعربي الزاحف نحو ( النبعة ) ، هو كائن من الطين اليابس المتكسر .. هو الأرض نفسها عندما تظمأ .. أما اللافتة المشيرة إلى طريق النبعة ، فيكفيها الإسم المخطوط فوقها لكي تبرعم وتورق .. لا بد لها أن تورق .. أليست مزروعة في الأرض ؟!
عندما تقتلع الجرافة الإسرائيلية تراب الأرض لإقامة المستوطنات لشذّاذ الآفاق ، يظل الفلسطيني متشبثاً بقطعة التراب مواصلا غرس شجرته بإصرار وعناد ، فوق رافعة الجرافة . أطفال ناجي يصنعون دباباتهم بالحجارة ، يرجمون الغاصب بالحجارة ، وكومة حجارتهم نفسها تكتب بنفسها كلمة ( لا ) .

قبضة الثائر - عنده - تعتصر الحجر حتى يتقطر بالماء ، ليروي زهرة نابتة في الحجر . يد الثائر الفلسطيني القتيل ، تندلع من قبرها كالنبتة ، حاملة علم فلسطين . الأطفال والفتيان والنساء والرجال، تتطوح أيديهم حرة طليقة كالعواصف وهي تقذف المغتصبين بالحجارة ، لكن أرجلهم ليست سوى جذور أشجار عنيدة تندفع بعيدا في أعماق الأرض .
ذلك هو ناجي العلي .. رجل حمل في صقيع غربته الطويلة ، دفء تراب فلسطين .. كامل تراب فلسطين ، وامتزج به حتى صارا شيئاً واحداً .

من هذه الزاوية .. يبدو البون الشاسع بين الشهيد الأبي والشاهد الذليل ، بين القتيل الحي والقاتل الميت ، بين القمة والمستنقع ، بين أن تكون فلسطين هي فلسطين بكل حبة رمل وكل حبة قلب .. وبين أن تكون مجرد مخفر وبساط أحمر وقطيع من الجندرمة !
ما أبشع من يأتي فلسطين سائحاً ، يتقلب فوق ترابها وقلبه فارغ منها حد الاختناق!
وما أعظم من يأتي فلسطين سابحاً في فراغ المنفى وقلبه ممتلئ بها حد التنفس !
في موازاة ذلك الوطن الماشي على قدمين لا تزال تمشي في ذاكرة أنفاسي .. رائحة التربة الطرية المختلطة بشميم العشب الندي ، ساعة كنا ننزل جثمانه الطاهر في القبر المحفور حديثا ..

وفيما كان ( جوهر العلي ) شقيقة الأكبر ، يحثو التراب فوقـه، كانت عيناه مغرورقتين بالدمع السخين ، وكان صوته المخنوق بالعبرة الموجعة ينصب في سمعي كماء النار :
( رحمة الله عليه .. ناجي كان يحب رائحة الأرض ).

وأمنت على نحيبه بهزة رأسي وانهمار دموعي ، غير أن حسـرة بحجم الكون كانت تضـج في أعماقي معولة : ( ناجي .. هو الأرض نفسها ) !



أحمد مطر

 

 

 توقيع الرضي :
الرضي غير متصل   رد مع اقتباس