قال ملك الموت :
- نعم إنني كنت انظر إليه حين وقت الصلاة فأراه يقيمها في أول وقتها , وقد سجلت له ذلك كله .
كنتُ لا ارغب في النظر إلى الشيطان حولي , لكني أردتُ أن أرى اثر كلام الملائكة مع ملك الموت عليه ,
فرأيته قد اشتعل غضبه بعد أن ترك لساني وقال لأعوانه :
- لا فائدة من الجلوس هنا والحديث معه , إن لديه من الأعمال ما لا نستطيع بوجودها تغيير عقيدته
ومنعه من نطق الشهادتين , اذهبوا جميعاً وسوف انتقم منه ...
ذهبوا عني وهم يجرون بأذيال الخيبة , ونيران الغضب تتطاير منهم , لا أعادهم الله عليّ ولا أراني صورهم
مرة أخرى , حينها سمعتُ وللمرة الثالثة نداء مؤمن وهو يقول :
- سعيد , هل تسمعني ؟
هذه المرة دون أن أقول له نعم , نطق لساني بقول لا اله إلا الله محمّد رسول الله , هنالك رأيتُ الابتسامة
على وجه صديقي مؤمن والدهشة على من كان حولي من الحاضرين , فقد بدأوا يسألونه عما يجري ,
ولماذا تبسم بعدما كان قلقاً خائفاً , وقد ابتل وجهه بالعرق الذي اختلط
بالدموع , نعم حقاً انه
صديق مخلص , ولم يتخلَ عني حتى في اللحظات الأخيرة من حياتي . أما أنا فبعد أن نطقتُ كلمة التوحيد أصبحت لي الجرأة على التكلم مع الملائكة , فقلتُ لأحدهم :
- هل أستطيع أن أخبر من حولي بما يجري لي كي يعتبروا ويؤمنوا بعالم ما بعد الموت ؟
- كلا انك لن تستطيع النطق والكلام مرة اخرى مع أهل الدنيا , وهذه سنة الله في خلقه , وله الحكمة في ذلك .
اقترب مني ملك الموت وسلم بقوله :
- السلام عليك أيها العبد المؤمن .
فوجئتُ بسلامه علي , ولكني تمكنتُ من جوابه فقلتُ :
- وعليك السلام ورحمة الله وبركاته .
- غننا مأمورون من الجليل الأعلى بأخذ روحك ونزعها من بدنك الدنيوي .
- آه , الويل لي , هل تسمح لي بأيام قليلة أعيشها في الدنيا مرة أخرى لأستكثر من أعمالي ,
وأثقل ميزاني , وأودِّع أحبائي ؟
- هيهات من ذلك , فالله لايؤخر نفسا إذا جاء اجلها , وقد أعطاك من الوقت في الدنيا ما يكفي للرقي
إلى كمالات الأولياء , ونيل درجاتهم , فأين كنت من ذلك ؟
سمعتُ ذلك منه فجزعت جزعاً عظيماً , وأصابتني حسرة كبرى , ودعوتُ بالويل على نفسي ,
فبأي أعمال سأقابل بها ربي , وما هي إلا أعمال خمس سنين , أما ماقبلها فقد كانت محاطة بالجهل والغفلة ,
محفوفة بالشك والرياء , استحضرتُ ذلك في نفسي فبكيتُ بكاءً شديداً , فتدارك ملك الموت حالي وقال :
- على كل حال , إن كفة ميزان أعمالك الحسنة قد غلبت على كفّة سيئاتك بعد أن أبدل الله
بعضها حسنات , وقد تقبل توبتك النصوح قبل خمس سنين , فلا تخف ولا تحزن , فو الذي بعث
محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم لأنا أبر بك وأشفق عليك من والد رحيم لو حضرك , افتح عينيك جيداً
وانظر إلى هؤلاء الأنوار هل تعرفهم ؟
انني كنت قد قرأتُ في دار الدنيا أن المؤمن عند الاحتضار يتمثل له الرسول والبتول والأئمة الإثنا عشر عليهم السلام
جميعاً , وهؤلاء الأنوار هم بلا شك , نعم إن عدتهم أربعة عشر , وذلك رسول الله , وتلك الزهراء الطاهرة ,
وذلك أمير المؤمنين علي وبجنبه الحسن والحسين و...
التفتُ إلى ملك الموت وأجبته :
- نعم أعرفهم , إنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وابنته الزهراء وابن عمه علي والحسن والحسين
والتسعة المعصومين من ذرية الحسين صلوات الله عليهم أجمعين .
قال ملك الموت :
- صدقت يا عبد الله , فهل تحب أن يكونوا رفقاءك في الجنة ؟ أم تريد العودة إلى الدنيا ؟
أجبته فوراً :
- لا والله , لا أريد الدنيا , فخذ روحي وعجل بها , فأنا لم أفارقهم بقلبي في الدنيا , فكيف الآن
وقد تمثلوا أمامي , ورأيت أنوارهم وحقيقة صورهم .
التفتَ ملك الموت إلى الملائكة وأمرهم بجلب شي من ماء الكوثر , فأتوني به واجتمعوا حولي , وبيد كل واحد منهم
كأس منه , تناولت أحدها وشربت قليلاً منه , لكن أي شراب وأي طعم كان , هو ماء ليس كماء الدنيا ,
فشتان بينهما , شربته على عطش شديد , فأحسستُ بارتواء عظيم وطعم لذيذ ما تذوقتُ في الدنيا ماء ً بلذته ,
وقد وهبني قوة ونشاطاً , وأزال عني النحول والكسل والاضطراب , فسألت أحد الملائكة قائلاً :
-من أين أتيتم بهذا الماء ؟
-انه من ماء الكوثر .
-بالنسبة لنا قريب جداً , ونحن نعطيه لبعض عباد الله المؤمنين لنخفف عنهم ألم الاحتضار , وفراق الدنيا
وأهلها , ونبشرهم بنعيم الآخرة وشرابها .
-وماذا تفعلون بالكفار والعاصين حين تتوفونهم ؟
-ذلك ليس واجبنا , فنحن ملائكة الرحمة نختص بتوفي أهل الأيمان , أما الكفار والعاصون فيتوفونهم ملائكة الغضب ,
يضربون وجوههم وأدبارهم .
أتّم الملك كلامه , حينها بادرني ملك الموت بقوله :
-والآن هل تريد العودة للدنيا ؟
-كلا لا أريد الدنيا , احملوني إلى حيث يشاء ربي .
لم أكمل كلامي حتى أحسست برجفة في بدني , فهمتُ منها أن روحي بدأت تخرج أكثر واكثر حتى
وصلت الحلقوم , فإذا بحديقة واسعةوأشجار ماشاء ربي تمثلت أمامي , فوجهت إليها نظري وفكري ,
فإذا بها من الجمال لايوصف , ومن السعة ماليس لها حد . التفت إلى أحد الملائكة وقلت له :
-ماهذا الذي أرى ؟
قال :
-انه مقامك في الجنة , طبتَ وطاب مثواك , وانك تقدم على رب رحيم كريم .
قلتُ لهم :
-إنني لا أريد العيش في الدنيا مرة أخرى , ولكني أريد العودة ساعة واحدة فقط لأخبر أهلي بما أرى , هل يمكن لي ذلك ؟
-هيهات لك ذلك , ولو رجعتَ وأخبرتهم بما رأيتَ لاتهموك بالكذب والخداع , كما إن عذابهم سيكون
بعد ذلك أشد , ورجعتك إليهم إنما تكون نقمة عليهم لا رحمة لهم .
لم اعد اسمع كلام من اجتمع حولي من أهل الدنيا , لكني ما زلتُ أرى صورهم وألاحظ شفاههم تتحرك دون أن أفهم ما يقولون ,
أما مؤمن فيبدو انه فهم ام روحي قد وصلت الحلقوم , ولم أعد أسمع شيئاً , لذلك لاحظته وقد اكتفى بالنظر لي دون الكلام
. نعم لم يطل هذا الوضع كثيرا حتى اختفت صورهم عني , ولم اعد ارى احدا منهم , ويبدو ان عيني الدنيوية قد عُطِّلت
واصبح بدني جثة هامدة ملقاة بينهم ...
حقاً انه أمر عجيب , ولا اصدق ما أرى , حلّقت روحي فوق بدني , وانفتحت عيني البرزخية لأرى وجوه من
اجتمع حولي من أهل الدنيا قد تغيرت الى حيوانات أو اشباه حيوانات بأشكال عجيبة غريبة , مختلفة فيما بينها ,
الا مؤمنا لايزال بينهم بوجهه النوراني على هيئة انسان , فتعجبت منه كيف لايخالطه الخوف والرعب منهم ,
بل رأيته يهدّأ بهم بعد ان ارتفع عويلهم . أما النساء فبدأن يضربن بأيديهن على وجوههن ويصرخن , فقلت مع نفسي
لاحول ولا قوة إلا بالله , ياليتهم يعلمون أني مازلت حيا أراهم وأسمع كلامهم , لكني أصبحت متأكداً من أنهم لم يعودوا
يسمعوا كلامي مهما ناديتهم وأخبرتهم بحالي , فإنهم مازالوا من أهل الدنيا , ولايتعدى سمعهم وبصرهم الى
ما بعد عالمهم من عوالم الملكوت .
.
.