كيف تتفجر الشاعرية ؟
( الحلقة الثالثة )
# كيف نخلص الشعر من اللا شعر ؟
هل كل شعر موزون ومقفى نقرؤه ، سواء قديماً أو حديثاً .. هو شعر حقيقي .. بمعنى هل إذا نظم الكلام بوزن وقافية يصح أن نسميه شعراً ؟
في التعريف القديم للشعر تم التركيز على الشيء الظاهري للشعر ، فلقد عرف ابن سلام الشعر بأنه : كل كلام موزون مقفى يطلق عليه شعر .. وقد تفرغ النقاد المحدثين لهذا ، وتم التميز بين الشعر واللا شعر .. فالوزن والقافية ما هما إلا شرطان ظاهريان لا يخلق شعراً .. فالقالب لا يصنع شيئاً لما يحمله ، إنما الأساس ما ورد من كلام (المضمون) هل هو يقترب من الشعرية اللغوية أم لا ؟
بمعنى أن الشعر ( مضمون = معنى + لغة شعرية ) و ( قالب = وزن + قافية (الروي) ) .. فإذا اجتمعت هذه العناصر نطلق عليه شعراً .. أما لو ورد لأي كلام ، فيطلق عليه (نظم) ..
فالفرق بين الشعر والنظم كالتالي :
الشعر : أن يكون المضمون لغة شعرية تستعمل فيها المجاز والاستعارة والصورة الفنية وعناصر بلاغية ، بالإضافة إلى التعبير العاطفي المتميز لكل شاعر .
النظم : أن يورد الشاعر معاني جاهزة وأفكار مرتبة لأي مجال بصورة أوزان وقواف ، مثل منظومة ابن مالك في تعليم النحو ، أو تعليم التجويد ، أو الارتجاز في المعارك ، فقدرة الشاعر اللغوية تجعله متمكناً من نظم أي فكرة بأي وزن وقافية .
ولذلك ينبغي للمتابع أن يميز ما يقرأه هل هو شعر أم لا
وسنعطي مثالين على ذلك :
# المثال الأول : ( الشعر ) /
قال الشاعر محمد العلي في ميلاد الإمام الحسين (ع) :
منحتني ذكراك ألف جناح
فسكبت النجـــوم في أقداحي
وفرجت الزمان عن خشعة الفجر
على مهد الزكي الضاحي
فرأيت النبي يفتض في سمعك
أنوار وحيه النفاح
وعلياً يريك أن قطاف الفتح يشتار
من ليهب الجراح
والبتول انحناءة تنضح الزهو
حييا في هادر الأوضاح
هكذا لحت قمة من كرامات
وموجاً مزمجراً من طماح
ففي هذا المقطع الجميل ، نلاحظ أن الشاعر انطلق من فكرة خيالية تصويرية حيث يشبه بأن الذكرى أعطته ألف جناح ، وهنا نقف عند التعبير ( ألف جناح ) حيث كناية عن الكثرة وأن عطايا الذكرى التي تتجدد بميلاد الإمام لا زالت سخية وكأنها ابنة الساعة ، وحيث أن الذكرى ميعاد لأجراس الانطلاق والحركة ، وترك الجمود والخذلان ، ثم يكمل الصورة حيث يقول ، بأن هذه الأجنحة أخذت تدور وتطير به عالياً حتى أن النجوم سكبها في أقداح الفرح والميلاد ، لاحظ معي دقة التصوير والخيال الواسع ، حيث أضحت النجوم وكأنها خمرة فرح موزعة على صدر الليل ، والأقداح فارغة ، ومتى انطلق الذكرى ، يطير الشاعر ليملأ أقداحه بها ...
ثم يكمل الصورة ، حيث أنه يطل على الزمان ويفتح باب الفجر ، حيث كأنه على موعد مع التاريخ ، وتعيده السنين إلى ذلك المهد الذي يهزه النبي (ص) ، ويسقي مسامعه بالنور الإلهي ، وعلي يصور له بأن الفتح الحقيقي هو من لهب الجراح ، وكأن الفرح هنا يغيب قليلاً ليأتي الشاعر بصورة الثورة والشهادة ، والبتولة في انحناءتها الحنونة ، تنضح ذلك الزهو والاعتزاز في كل وضح ، ويختتم بالكرامة التي هي من مفردات الشهيد الفاتح ، وهذه الكرامة تكون في أكمل رقيها حيث الزمجرة الطموحة .
هل لاحظت كيف يخلق الشاعر الصورة الفنية الخيالية ، ويربط ما بينهما ، ويجعلك تعيش بقوة وجاذبية ؟
هذا ما نعنيه بالشعر هنا .
# المثال الثاني : ( النظم ) /
وفي بيت آخر لاحظ معي كيف تقل نسبة الشعرية :
نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا
إنه موزون .. نعم ، مقفى .. نعم ، فيه معنى .. نعم ، فيه حكمة .. نعم ؛ لكن ما مستوى الشعرية فيه ؟
وهنا المحك .. فالشاعر يقرر هنا مباشرة المعنى الذي يريده فهو يقول بأننا كثيراً ما نعيب الزمان ، لكن لا ننتبه بأن العيب فينا وليس فيما نتهمه ، وهذا المعنى ذو صبغة عقلية منطقية ، لا يقترب من الجانب الخيالي والصوري الشعري ..
وقد نجد مثل هذا البيت الكثير ، حيث تقل نسبة الشعرية ، وترتفع نسبة التقريرية والمباشرة العقلية ..
نعم لو خلصنا الشعر من العناصر التي لا تتصل بالشعرية ، فنحن هنا حافظنا على قيمة الجنس الشعري ، وطورناه ، وهذا ما يجعل كل جيل يطور في مفردة الشعر ، فترى كل جيل يصطبغ بميزات وصفات تختلف عمن قبله ، وقد ترى بعضهم مقلداً ، يحاكي ما عليه الشعر في القدم ، وبعضهم يحاول التطوير وإدخال عناصر وصور وأفكار جديدة ، وهذه الرغبة تأتي من القابلية والإبداع والتجديد وتغير العصر وظروفه ..
فعندما يقف الشاعر الجاهلي في الأطلال ويستعيد الذكريات والحبيبة ثم تمجيد قبيلته وبعض الأغراض كل ذلك في قصيدة واحدة ، وفي المقابل يأتي الشاعر المعاصر ولا يهمه هذا الترتيب ، بل يركز في فكرته وموضوعه ويكون لنا الصورة واحدة ومفردة ... وهكذا ..
....... وللحديث بقية
ابن المقرب