ــ 3 ـــ
بحلول العيد، كانت تطرأ على دروب القرية ظاهرتان: البيع على الأرصفة وتحت جدران البيوت، والحصان أو الجمل الذي يقوده صاحبه في الدروب والأزقة عارضا على الأطفال والصبية من حوله ركوبه والذهاب والإياب على ظهره مسافة محددة مقابل خمس ريالات أو عشرة. كطفل، لم يكن يعنيني من أمر العيد كله إلا ذاتك المظهران، إضافة إلى ما سأجنيه من مال من المعايدة بالطبع. كانت نفس تتوق باستمرار إلى ركوب الحصان، وكلما حل عيد منيتها بتحقيق الأرب، وفي كل مره كان ثمة ما يحول بيني وبين رغبتي.
وتنسلخ أيام العيد، وتعود القرية إلى سابق عهدها، فلا بيع على الأرصفة وتحت جدران البيوت، ولا حصان يفرش الدروب بسجادة من خيلاء رشاقته. يرحل العيد ولم يمتط الطفل الذي كنته صهوة الحصان، فتستحيل الرغبة حسرة مقيمة حتى يحل العيد مرة أخرى في العام القادم.
ما لاذي كان يحول بيني وبين رغبتي؟ لم يكن المال بالطبع، وإنما هو قيد من الداخل. كل ما هنالك أني لم أكن أجرؤ على الاستجابة لطلبه، التي هي في الحقيقة استجابة لرغبتي. هل هو الخجل إذن؟ الخجل من نظرات الأطفال والصبية الذين سيحدقون بي من كل جانب حيث امتطائي ظهر الحصان، وسيحبون ذهابي وإيابي صائحين صياح إعجاب أو سخرية، ومصفقين تصفيق تشجيع أو حباً في التصفيق فحسب.
لم يكن الخجل ليذهب عني بسهولة، بعد الطفولة المعزولة التي لبستها في بيت الأسرة الأول، بيت مسعود. العزلة تورث الخجل الذي يحول بين الطفل وبين تحقيق أربه. والعزلة أيضاً هي الوقود الذي يغذي الجرأة على خوض المغامرات إذا ما سنحت الفرص. وقد سنحت لي الفرصة. كنت على وشك الخروج من ثوب الطفولة والدخول في ثوب الصبا. كان ذلك في بستان نخيل يملكه واحد من أبناء عمومتي البعيدين. وكان له أولاد في مثل عمري، وكانوا يحبون أن يصطحبوني إلى بستانهم عصر كل يوم، حتى كان يوم حدثوني فيه ــ ونحن عائدون بعد غروب الشمس ــ عن الحصان الذي سيكون في حظيرة بستانهم من الغد. كان هذا الغد يمشي باتجاهي كالسلحفاة، ولكنه أتى. دلفنا إلى الحظيرة. كان الحصان شديد البياض، ذا غرة سوداء، ينسدل على عنقه عزف طويل أشقر. اقترب أحدهم وأخذ بلجام الحصان، فأسلس له سريعاً، ومشيا نحو باب الحظيرة.
ها هو بجانب نخلة مائلة الجذع. تحلقنا حوله. كان جدار عال وينظر إلى الأرض تحته. لم أتمال رغبتي. أعلنتها: أريد أن أركب. قال أحدهم: ليس على ظهره سرج، قد تقع. قلت في ثقة: لن أقع إذا أخذ أحدكم باللجام، وقاد الحصان بأناة في ممرات البستان.
شبك أحدهم كفيه صانعاً منهما ركاباً، ثبت قدمي فيه، واعتمدت باليد اليسرى على كتف صاحبي الذي صنع الركاب، وباليد اليمنى على ظهر الحصان العاري، وانتزعت جسمي بقوة من الأرض. لا أعلم ماذا حدث بعد ذلك. ثمة حلقة مفقودة من سلسلة الزمن، لحظة لا تكاد تملأ الفرق وصول الرصاصة ووصلوا صوت إطلاقها إلى رأس الضحية، لحظة تافهة في حد ذاتها، لكنها أعقبت آلاما ملأت ساعات عريضة. حقا لا أعلم ماذا حدث؟ وجدتني شابكاً ذراعي حول عنق الحصان، أشد عليه كأنما أشد على روحي التي تريد أن تحرج من بين جنبيَّ، بينما الحصان منطلق كالسهم، يشق بوجهه الهواء شقاً، ويطعن بحوافره وجه التراب المرصوص الذي يعبد ممرات البستان، ويدوس في مغارس الخس والطماطم والبصل، ويدخل بين مجتمع نخيل، فيرتطم السعف المتشابك بوجهه وبرأسي ارتطاماً صاخباً عنيفا، فيمرق منه ويدخل في مجتمع نخيل آخر فيلطم السعف المتشابك وجهه ووجهي مرة أخرى..
حدث كل ذلك والحصان لم يتخلَّ عن سرعة السهم. ويبدو أنني غبت عن الوعي لحظات لا أعلم ماذا حدث فيها، ولكن لم يرتخ ذراعاي أبداً، ولبثا معقودين حول عنق الحصان. أخذت استرجع الوعي شيئاً فشيئاً على أصوات مختلطة: "هات يديك. هل أنت بخير. لقد توقف الحصان. أرخ يديك ونحن نزلك" فتحت عيني ولم أرخ يدي. ألقيت نظرة شاملة على الوجوه الشاخصة إلي. بدت لي مألوفة. أردتأن أحرك جسمي فلم يتحرك. ثمة صخرة ضخمة تربض على ظهري. يد ما تعبث بأصابع يدي، وتفك كفي المشبوكتين، وأيد أخرى تزحزح جسمي ثم تتلقاه وتنزله برفق على الأرض. مطر يمسح على وجهي براحته الطرية. أستوي جالساً ثم أقوم على قدمي بمعونة الأيدي التي أنزلتني من ظهر الحصان، ونمشي جميعاً باتجاه باب البستان. لم تكن الشمس قد غربت بعد. في البيت، كان إخراج رؤوس السعفات المدببة من جلد رأسي عذاباً لا ينسى. بعد أيام كانت العافية تتمشى في جسمي كما لم تتمش من قبل، وكانت رغبتي في ركوب الحصان أشد من أي وقت مضى.
ويدور دولاب الزمن، وتشرق شمس وتغيب أخرى، وإذا بي أخرج من ثوب الطفولة وأدخل في ثوب الصبا. وفي غفلة مني، كان ثمة عالم يتهيأ للموت، وعالم يتأهب للحياة. لقد التحق رب الأسرة بالعلم في شركة للصناعات البتروكيميائية، مقردها المدينة الجديدة، تلك التي يستغرق السفر إليها على متن السيارة ثلاث ساعات من القرية، وتقرر انتقال الأسرة بأجمعها إليها، لتكون إقامتها في المدينة الجديدة دائمة، وليكون لها بيت جديد هو البيت الثالث بعد بيت مسعود وبيت وسط القرية.
وخلال إقامتها الدائمة في المدينة الجديدة، ستذهب الأسرة إلى القرية في زيارات قصيرة طارئة، يكون الباعث عليها مناسبة سعيدة كالعيد، أو مناسبة حزينة كموت قريب أو صديق.
إنها المدينة الجديدة، مدينة المصانع والتلوث البيئي، مدينة الشاحنات الضخمة التي تنقل المعدات والآلات والعمال، فيا لها أطناناً من الحديد تنقل على عاتقها أطناناً من الحديد أخرى. مدينة الطرق السريعة الواسعة، والنوافير الاصطناعية، والحدائق الاصطناعية، والسماء الاصطناعية، والإنسان الاصطناعي. مدينة العلب الإسمنتية الكالحة. إنها مدينة عمل ولا مجال فيها للتعارف ما بين الجيران، أو للتزاور أو لعقد الصداقات. إنها بكلمة واحدة مدينة العزلة. وها أنا ــ الصبي الذي بالكاد خرج من ثوب الطفولة ــ أدخل في نفق العزلة من جديد، ومن داخل عزلتي، من داخل علبة إسمنتية معزولة عما حولها من علب، سأصيخ القلب إلى نداء الأمكنة العتيقة، وسأكتب تحت تأثيره شذرات من تجربة طفل كنت قد خلعته في القرية ذات صباح عتيق، وخرجت منها خروج آدم.