عرض مشاركة واحدة
قديم 12-02-2009, 10:43 AM   رقم المشاركة : 2
منتدى السهلة الأدبي
منتدى السهلة الأدبي






افتراضي رد: ( شذرات من تجربة طفل ) قصة لـ جاسم عبدالوهاب الحسن

ــ 2 ـــ


لم أطفُ على سطح النص السابق البتة، لا بصفتي راوياً، ولا بصفتي شخصية تلعب دوراً ما. قد أكون موجوداً ضمناً بصفتي واحد من أفراد الأسرة، ولكنني لم أقدر أن أتشخص حتى في ضمير المتكلم ( ولك أن تراجع النص السابق )، وذلك لسبب واحد هو أن مسعوداً شخصية طاغية الجاذبية، مهيمنة الحضور، لا يمكن أن تبرز بحذائها شخصية أخرى.

مسعود هو بؤرة العدسة المقعرة التي تلملم خيوط الضوء المتشتتة في حزمة ضوئية لا تسلط على جسم إلا أحدثت فيه حرقاً.

كل شئ غير مسعود كان من خيوط الضوء المتشتتة. أما وقد ألقيت بعبء الحكياة، حكاية مسعود، على عاتق القارئ، فإنه بات في ميسوري أن أتشخص، وأجعل من نفسي بؤرة، وبطلاً للحكاية التي أنا في سبيل روايتها.

كانت الأسرة قد انتقلت إلى بيت آخر، وكان هذا أفسح فناءً من الأول، وأكثر غرفاً، والغرف أوسع، والفناء لم يكن معظمه مسقوفاً كسابقه، بل كان مفتوحاً علة الفضاء، وهو لذلك أكثر تعرضاً لتيارات الهواء وزخات المطر في فصل الشتاء، ولأشعة الشمس المحرقة وذرات الغبار في فصل الصيف.
ولم يكن البيت الجديد بعيداً عن وسط القرية كالبيت الأول الذي كان قاتماً بمفرده على أحد الأطراف، وإنما كان قائماً في قلب القرية، حيث الحركة النشطة للسكان الرائحين والغادين في شؤون حياتهم اليومية، وحيث الضوضاء الناجمة عن أبواق السيارات ومهاترات الجيران مع جيرانهم وتصايح الصبية الآخذين في اللعب بلا كلل أو ملل ساعات النهار وجزءاً من ساعات الليل. بيد أن ثمة شكلين من الحياة الجديدة كان لهما التأثير الأعمق على الأسرة. الأول أن الأسرة بات لها كثير من الجيران، ومنهم الجار الجنب، الذي ليس بين بيته وبيت الأسرة إلا جدار يكاد يكون ناقلاً ممتازاً للصوت، فلا تكاد تحدث مشكلة صغيرة في هذا البيت إلا أفضى بها إلى البيت الآخر. وكانت أطباق الطعام دائبة الطيران فيما بين البيوت، فالطبق سفير شعبي ما بين أسرتين، واتصال ذهابه ومجيئه ما بينهما دليل عافية في علاقات الجوار.

كانت الأطباق تنتقل من هنا إلى هناك على أجنحة الطفولة. تنادي الأم وهي في المطبخ على ابنها أو ابنتها المنشغلين باللعب في الفناء أو في الزقاق، وتضع على يديه أو يديها صينية تحمل طبقين أو ثلاثة وتقول له أو لها بيت أم فلان، فلا تلبث الصينية أن تكون في بيت أم فلان، ولا تعود بعد يومين أو ثلاثة إلا محملة بمثل ما ذهبت به أو بأحسن منه.

كان هذا الشكل الأول من الحياة الاجتماعية التي استجدت على الأسرة وكان لها أعمق الأثر عليها، وأما الشكل الثاني فهو ما صار إليه أبناء الأسرة ــ الذين كانوا جميعاً في طور الطفولة أو الصبا ــ من انفتاح على الفضاء الخارجي، على الشارع والحارة والحارات المجاورة وسطوح الجيران، ومن ثم الانخراط في صداقات كثيرة واكتساب تجارب طفولية اتسمت بالجدة والطزاجة والإدهاش والإمتاع، واتسمت أيضاً ــ ولا بد من ذلك ــ بالإيذاء أحياناً.

أنا واحد من أبناء الأسرة، وقد كانت سعيداً بأشكال الحياة الجديدة التي انخرطت فيها، ولم أكن لأقاوم إغراءها، فقد كانت سنوات العزلة في البيت الأول تحدوني لأن أظهر قدراتي العظيمة على ممارسة الحياة خارج الجدران، ولا أحد أقدر على ممارسة الحياة من طفل !! ولم يكن الطفل ــ الذي هو أنا ــ ليبالي بما يتعرَّض له من أذى جرَّاء التجارب التي يخوض غمارها غير مفكر بعواقبها، وكيف يكون طفلاً لو كان يفكر بالعواقب !! فإنما هو إملاء اللحظة، تلك اللحظة التي تستبطن ما لا يعقل من المواقع والطموحات والحيثيات، في حين يحسبها المرء جزءاً ضيئلاً تافهاً من الزمن.

في قريتي، لم تكن حارة من الحارات لتخلو من أرض فضاء رحبة، تكون محاطة بالبيوت من الجهات الأربع، وثمة دروب ضيقة تفضي إليها، وتقوم مقام البوابات على حدودها. إنها بوابات بلا أبواب ولا مزاليج ولا حامية. وقد تقع تلك الأرض الفضاء الرحبة خارج الحارة، على أحد أطرافها، فلا يكون لها ما للأولى من إيجابيات.

ولقد كان حظي سعيداً، فكانت الأرض الفضاء الفسيحة التي شهدت ألعاب طفولتي مطوقة بالبيوت التي كانت سطوحها ملاعب إضافية قضيت فيها أوقاتاً جميلة بصحبة أصدقاء الطفولة الذين كانوا دائماً من أبناء الجيران. وأما الدروب القليلة التي تفضي إليها فكانت تتفرع منها الأزقة التي تفتح عليها أبواب بيوت الحارة، ومنها بيتنا.

ذات يوم، وكان ذلك بعد منتصف النهار، انطلقت إلى الساحة ممنيّاً النفس بقضاء ساعات من اللعب والمرح والتسلية، فلما انتهيت إليها وجدت صديقي صالحاً مستنداً إلى جدار، وفي إحدى يديه العصا الخشبية المستطيلة التي تشبه المسطرة، وفي الأخرى القضيب الخشبي القصير، فلما رآني ابتسم لي مرحباً، فاقتربت منه، وبطريقة اتصال خفيَّة، لا تستغرق أكثر من لحظة، وبدون أن ينبس بكلمة، كنت قد فهمت عرضه عليَّ وقبلته. لعبة كنا نسميها ( المنطاع ). تحتاج إلى مساحة فسيحة. يأخذ اللاعب بالقضيب القصير في يد ويمدها أفقياً إلى أقصاها، وبالعصا التي تشبه المسطرة في اليد الأخرى التي يرفعها في الهواء فارداً ذراعه إلى أقصاها أيضاً، فيرمي القضيب في الهواء عمودياً إلى الأعلى نحو ارتفاع مناسب، في حين يهوي بالعصا في اللحظة المناسبة لتصطدم بالقضيب الذي أخذ في السقوط بعد أن استنفذ طاقته على الصعود، ليقذف بدوره في الهواء بعيداً راسماً قوساً تضيق أو تتسع بحسب القوة التي يختزنها ساعد اللاعب. ثم تأتي المرحلة الثانية، فيهرع المتباريان إلى مكان سقوط القضيب، فينحني اللاعب على القضيب، ويضربه بالعصا عند طرفه ــ الذي يكون مشطوفاً عادة ــ فإذا قفز نحو الأعلى ضربه بالعصا مرة أخرى، لينقذف ثانية مبتعداً أكثر عن المكان الذي نفذت عنده الضربة الأولى عند بدء اللعبة.

ويمضي اللاعب على هذا المنوال حتى تخفق العصا ثلاث مرات متتابعة في تقفيز القضيب، ويكون ذلك بأن تخطئ طرفه فتصيب الأرض. ثم تأتي المرحلة الثالثة، فيقيس المتباريان المسافة بين نقطة البداية وبين آخر نقطة استقر عندها القضيب، وذلك بعدد الخطوات. ثم يأتي دور اللاعب الثاني، فيصنع مثلما صنع خصمه، وتتكرر هذه العملية ما اتسع الوقت، فيس ثمة حد معين لهذه اللعبة غير اتساع الوقت أو ضيقه كأن تغرب الشمس ويأخذ الظلام في الحلول، فعندئذ تحسب الخطوات لكل لاعب، ويكون الفائز من يحرز عدداً اكبر منها. تلك هي لعبة ( المنطاع ) التي يعرض علي صالح أنلعبها وقبلت أن عرضه.

أجرينا القرعة فكان هو اللاعب أولاً، فاتخذ وضع اللاعب، وانتصبت أنا بحذائه منتظراً أن يؤدي ضربته، كان يمسك العصا بيده اليمنى، التي لم تكن يداً بشرية على الإطلاق. كانت لحماً مقدَّذاً، ولكن متماسكاً. وكنت قد ألفت رؤيتها على هذه الصورة، ولم تعد تثير في نفسي أدنى شعور بالتقزز، مثلما فعلت في أول لقاء جمعني بصالح.

في اللقاء الأول، كان الارتباك ظاهراً على كل حركة من حركاته، والإشفاق من مواجهة الآخرين يسربل نظراته التي لم تكن لتستقر على شئ. وكان يحرص على إبقاء يده اليمنى في جيب ثوبه، ولولا أنه كان مضطراً لنزع ثيابه حتى يتسنى له أن يلبسها جافة بعد خروجه من العين التي كان الأصدقاء ــ وأنا منهم ــ قد سبقوه إلى القفز إليها، لما وقع بصري يومئذ على كتلة اللحم المقدد المتماسك، تلك الكتلة التي أخرجها من جيب ثوبه، والتي تتفرع منها خمس زوائد لحمية قصيرة.

المهم أن الألفة كانت قد أجرت عملية تجميل لكتلة اللحم تلك، فعادت يداً بشرية في نظري على الأقل. وها هي الآن تمسك بالعصا وترفعها في الهواء استعداداً لضربة قوية تطير القضيب في الهواء بعيداً، ليرسم قوساً واسعة لا ينجز مثلها أقوى السواعد. ولكن صالحاً قد بيت النية على تجريب طريقة جديدة لضرب القضيب. وها هو يفرد ذراعه إلى مداها الأقصى والعصا من علوها تتوعد القضيب، وأنا على يسار صالح، على بعد ذراع منه بالضبط، وفي لحظة كلمح البصر كان صديقي قد هوى بالعصا متوسلاً ثقل جسمه كله، فقد جعل من قدمه اليسرى محوراً وأدر عليه جسمه كله بما فيه الذراع المفرودة دورة أرادها كاملة تنتهي من حيث ابتدأت، ولكنها لم تكتمل لأن العصى التي تؤدي دور القلم في الفرجار كانت قد ارتطمت بجبهتي وسقطت من اليد البشرية بعد أن رسمت نصف دائرة فقط.

أقبل صالح على صديقه الذي كان قد انطرح أرضاً ضاغطاً بيديه على جانبي جبينه. لم أع شيئاً مما كان يغمغم به. لم أكن أشعر بأدنى ألم. كنت فقط لا استطيع النهوض. وكانت الدنيا ظلاماً دامساً. مرت لحظات، بعدها أخذ جيش النور يغزو الظلام، والقوة تنساب في رجلي، وجعل الألم ــ الآن فقط ــ يتمشى فوق العين اليسرى، ذاهباً في الصدغ الأيسر، وراجعاً إلى مقدم الجبين. ولكنه ألم لم يزل احتماله ممكناً. نضهت مترنحاً قليلاً، ثم انتصبت على قدمي، وقلت لصالح الذي كان تمثالاً من الرخام: واصل اللعب ! فخرج من وجومه الرخامي، ولكنه لم يواصل اللعب، وإنما صاح في ذعر: " دم.. دم"، فوضعت راحة يدي على جبهتي، ثم بستطها أمام عيني. كانت دماً قانياً. وكانت خيوط الدم وجدت دروبها إلى عيني ولا سيما اليسرى، ثم سقطت قطرات من الدم على التراب أما قدمي. انحبس صوتي في حنجرتي، واقلني الهلع على جناح السرعة إلى البيت.

كانت أختي هي التي فتحت الباب، ووقع نظرها على وجهي الذي كان قطعة من الدم، فندت عنها صيحة فزعت على إثرها أمي إلى الباب، فشهقت من هول منظري، وأكبت عليَّ تمسح الدَّم عن وجهي بكم ثوبها. كانت تلقي عليّ أسئلة كثيرة متتابعة لا أحسبها كانت تنتظر جواباً عليها، ولم أكن أنا لأجيب. أجرت لي إسعافاً أولياً على طريقتها الخاصة، وأخذتني إلى المستشفى، حيث حلق حاجب عيني الأيسر، وخيط الجرح بأربع عقد، وغطى بقطعة صغيرة من الشاش. منعتني أمي من الخروج من البيت أياماً قليلة ثم أطلقت سراحي. طبعاً وقعت تحت وطأة السؤال: "كيف حدث ذلك؟" ولم تكن مخيلتي لتتخلى عني في تلك اللحظات، فكنت أجيب: "كنت ألعب في البيت الطيني المهجور، وفجأة سقط حجر فشج جبيني وفجر الدم منه" ولم يكن لأفراد الأسرة بد من أن يصدقوا على مضض.

كان البيت الطيني المهجور قائماً بالقرب من الساحة الرحملية الفسيحة، وكان متضعضع الأركان، متأكل الجدران، آيلاً للسقوط لولا أنه يرتفق ببيتين طابوقين ( مسلحين ) يشكلان زاوية صلبة يمكن الوثوق بقدرتها على احتمال العبء.

كنت لا أريد أن أجر على صديقي أذى إذا ما يحدث بجلية الأمر، فأخبر أبي أباه الذي قد ينتهره أو يضربه. ولكن الأمر كله لم يكن ليخفى طويلاً، فقد كان الخوف قد استبد بصالح، فخارت قواه آخر الأمر وأفضى بالأمر كله إلى أبيه الذي عنفه ولم يضربه لأنه اعترف بنفسه.

أتى أبو صالح إلى ابي في البيت وقدم اعتذاره، ودفع بابنه الجاني بين يدي أبي قائلاً في طمأنينة من يعلم أن كلامه لن يحمل محمل الجد: "اقتص منه إذا شئت" ابتسم أبي في وجه صالح، ومسح براحة يده على رأس صديقي قائلاً: "صالح لم يكن يقصد أن يؤذي صديقه" ثم التفت إلي مبتسماًً، وغمزني في مداعبة وقال: "وصديقه لم يكن ليؤذيسه" التقينا أنا وصالح في الساحة من جديد، ولعبنا ( المنطاع )، ولكن من غير تجريب طرق جديدة في ضرب القضيب بالعصا.

لو كانت أم صالح على قيد الحياة لكانت أتت إلي أمي حتماً وقدمت اعتذارها عن خطيئة ابنها، ولكنها كانت قد قضت نحبها في حادثة أليمة، كان صالح شاهداً عليها وإن لم يشهد. فإذا كانت ذاكرة صديقي لم تع شيئاً من الحادثة لأنه كان ابن ثلاث سنين يومها، فقد كانت يديه اليمنى ذاكرة أمينة لا تخون أبداً، كان الفرن الغازي قد انفجر في وجه أم صالح، والنار قد اشتعلت في ثوبها وبدنها وهي تطلق صيحات الاستغاثة بأهل بيتها. كان الطفل صالح واقفاً بباب المطبخ عندما انفجر الفرن، فما كان منه وهو يسمع صيحات أمه المستغيثة إلا أن اندفع إليها وأخذ بذي ثوبها الذي كانت النار تلتهمه سريعاً، فأتت على يد الطفل اليمنى وكادت أن تشعل في بدنه كله لولا يد أبيه التي انتشلته ف اللحظة المناسبة وأبعدته عن النار وهو يطلق صيحات مريرة لبثت ترن بين جدران البيت أمداً طويلاً.

عندما انتشل أبو صالح الأم من قلب النار والتي ألقى عليها الرداء الضافي كان الأوان قد فات. طبّبت يد الطفل، ولكن ما أحسن من الله خلقا !! هذه الرواية كانت ذاكرتي قد وعتها من أحاديث أمي وجارتها اللاتي يزرنها وقت الضحى.

 

 

منتدى السهلة الأدبي غير متصل   رد مع اقتباس