عرض مشاركة واحدة
قديم 08-01-2004, 03:21 AM   رقم المشاركة : 3
ديك الجن
شاعر قدير
 
الصورة الرمزية ديك الجن
 






افتراضي

الحوار الوطني:1- تمارين عى الحوار

جريدة الرياض - منتدى الكتاب -
التاريخ: الخميس 2004/01/08 م


<span style='font-family:Simplified Arabic'><b><div align="center">د . عبدالله الغذامي </div></b></span>

لم يكن الحوار محصوراً في قاعة مغلقة في أحد فنادق مكة المكرمة، وهو لن يكون حواراً وطنياً لو كان محصوراً فعلاً، لقد ابتدأ الحوار قبل اللقاء المكي هذا وبمصاحبته وسيظل بعده، وهو حدث اجتماعي دال، إذ صرنا نسمع بهذا المصطلح ونتمثله متجسداً في مقالات ثم في استجابة رسمية بانشاء مركز يحمل هذا المصطلح كمسمى له، وهذا تدريج من الطلب والتمني إلى حال التمثل بما ان المصطلح صار تسمية وصار عملاً عبر الاجتماع والتحدث عنه وحضوره الإعلامي الحقيقي.
والكل يحكي عن ضرورة الحوار وفي وصفه بأنه وطني، وهذا يعني أننا لم نكن في السابق نتحاور، ولم نكن نمارس الخطاب الوطني حول قضايانا الخاصة وحول التنوع الفعلي في مجتمعنا. وحينما صارت فكرة المركز راح الكل يتساءلون عما يمكن أن يتمخض عنه هذا المشروع الحلم، وأحس أناس كثير أن هذا سيكون شعاراً وإعلاناً إعلامياً أكثر منه حقيقة وتمثيلاً فعلياً للتفكير وللتطبيق. ومازال الأمر مهدداً بأن يكون كذلك -ولقد حدث لبعض التطلعات الوطنية أن آلت إلى هذا المآل من قبل مما يجعل الناس تفقد ثقتها بآمالها وتفسر كل شيء على أنه لعبة إعلامية، ولاشك أننا معرضون لأن نقع في هذا مرة أخرى بعد كرات سابقة.
ولذا فإن المسؤولية تقع على عواتق الجميع لمنع حدوث عاقبة كهذه، إن مكسباً كبيراً قد تحقق عبر الخطوة الأولى، وهي خطوة لما تزل معنوية، والحفاظ على معنويتها هو الأساس في ترسيخها، ومن ثم التطلع إلى تفعيلها، وبما انني معني بقراءة الأنساق وكشف حركتها فإن ما سأفعله في هذه المقالات هو محاولة كشف النسق الاجتماعي للغة الحوار - داخل القاعة في مكة المكرمة - على أساس أن الذين حضروا هم عينات اجتماعية وثقافية تشمل التيارات المعروفة في بلدنا، وحصل تمثيل للألوان كلها وتكلمت التيارات كلها، ولم يمنعها موضوع اللقاء المحصور في الغلو من أن تقول كل ما هو في صميم التلوين الطيفي للمجتمع متجاوزة حصر الموضوع في معنى واحد كان من الممكن أن يحجب سائر المعاني.
ولقد تكلم المتحدثون والمتحدثات كل حسب همه الذي يشغله باستغلال ذكي لما يحصل عليه كل منهم ومنهن من دقائق ثلاث للمداخلة، وتماهر البعض في اختلاس مزيد من الوقت بحيل ذكية لتمكين التعبير من النفاد، وكانت ادارة الجلسات حكيمة في كثير من تصرفاتها مما ضمن فرصاً متوازنة للحديث وضمن مضي الكلمات دون مقاطعات أو محاصرة، وكان النقاش صريحاً وشجاعاً، وفي الوقت نفسه مؤدباً سوى استثناء ضئيل جري تجاوزه والاعتذار عنه.
وقبل الخوض في قراءة لغة اللقاء نفسه لابد أن أقف على ما قبل اللقاء، والذي جرى قبل اللقاء كان عينة بالغة الدلالة على أساليب الحوار التي تتجاور بالضرورة مع رفض الحوار، وقد حدث هذا بصور كاشفة، فلقد رفض أشخاص قبول الدعوة وقاطعوا المؤتمر، والأسباب لم تكن واحدة، فهناك من رأى أن اللقاء لم يكن يحقق الطموحات، وهناك من اعترض على وجود أشخاص معينين في اللقاء واشترط إبعادهم وقال إن حضر فلان وفلان فأنا لن أحضر، ولقد كان جواب المنظمين جواباً مسؤولا وراقياً، إذ رفضوا التشرط، وشكراً لهم على هذا، كما لهم الشكر إذ حاولوا التوسط لدى بعض المعتذرين غير المتشرطين واستخدموا كل الوجاهات الاجتماعية لدفعهم لقبول الدعوة ونجحت التوسلات مع بعض وفشلت مع آخرين، وكل هذا دلالة على ألوان من الطيف بعضها يرفض الحوار ويرفض الألوان التي لا تشاكل لونه، وبعض آخر يطمح بالحوار إلى مستوى مثالي لم يتيسر بعد.
وهذا نوع من الحوار غير المعلن، وهو يأخذ بالسلب كأداة للتعبير، ولاشك أن السلب والرفض هي أدوات مهمة من أدوات الخطاب الثقافي، وكثيراً ما حقق السلب نتائج أكثر من الايجاب، غير أن الملاحظ أن نجاح لغة الرفض لا تتحقق إلا في الثقافات المفتوحة والليبرالية، أما المجتمعات المحافظة فهي مجتمعات مغلقة في طبعها، والصمت فيها هو الأصل والسلبية هي القاعدة، ولذا فإن الموقف السلبي من أمر من الأمور في هذا النوع من المجتمعات يمر دون ملاحظة، ولذا لا يحقق أثره ولن يعلم الناس أن غياب أحد - كائناً من كان - إنما هو لرفضه للاجتماع أو احتجاجه عليه. ولن يتمكن أحد من تسجيل موقفه واشهار هذا الموقف إلا إذا عبر عنه علناً وعلى المنبر نفسه حيث تتواجه الرؤى وتتقاطع الأفكار.


ولقد كنت أنا شخصياً معترضاً على بوادر اتجاه المراكز لأن يكون مركزاً أكاديمياً وبحثياً، وسجلت اعتراضي هذا لدى أمانة المركز قبل المؤتمر بأشهر، وكنت أراوح الرأي بين أن أغيب اعتراضاً أو أن أحضر وأعلن موقفي، ولقد فاوضت أحد الاخوة المعترضين حول هذا المعنى واقترحت عليه أن يحضر ويسجل رأيه عبر الحضور وفي القاعة، وقلت له ان هذا هو خياري أيضاً، وليت الصديق ذلك فعل مثلي، ولو فعل لغير رأيه في اللقاء مثلما غيرت رأيي، إذ اكتشفت أن اللقاء قد كسر أكاديمية الموضوع ودخل في لب المشاكل الوطنية بصراحة وصدق ووضوح، وسمع الجميع آراء الجميع وانكشف الجميع للجميع. وهذا نجاح لم أكن أتوقعه وكنت أخشى من سيطرة (الود) الذي لا يفسده الاختلاف مثلما خشيت من تحول اللقاء إلى حفلة في العلاقات العامة وديكور للصور وحلاوة للأخبار عن تصافح الفرقاء وعن التباوس، مع نسيان تام للألوان والتيارات، وكأننا نسخة واحدة مرة أخرى، كما هي الدعوى الإعلامية التي هي صيغة من صيغ أي خطاب محافظ، حينما يدعي أن الجميع على قلب واحد، والأعمام أبخص، مما هو نقيض للحوار، والحوار يكون بين فرقاء ولا يكون بين المتماثلين، ولكن الحيل الثقافية تتوسل لتمييع هذه الفكرة، وهذا ما سألامسه في المقالات القادمة - إن شاء الله - بما ان اللقاء هو تمرين على التعرف على الآخر، ومن ثم التعرف على الذات نفسها وهي ذات سوف يتكشف لها خطابها عبر مقارنة ما يقوله كل واحد من المشاركين عن نفسه وما يرد به الآخرون عليه في تفسيرهم لقوله أو رفضهم له، وهذه مناسبة فريدة لكي تمتحن الذات ذاتيتها وتتعرف على خطابها في عيون غيرها، ومن هنا تبدأ الأسئلة ليعرف كل واحد أن رأيه ليس هو الرأي الأوحد، كما سيعرف أن سكوت الآخرين لم يكن رضا أو تسليماً بقدر ما هو عدم وجود فرص للمواجهة. ولاشك أن بعض المشاركين قد تفاجأ بجرأة الحديث وصراحته مما لم يكن من المتعود عليه. وهذا كله ما سنقف على جوانب منه تمس النسق الثقافي وحركة هذا النسق في تمثيل نفسه وفي حيله لمكافحة المتغير والمخالف. وأنا هنا لا أسعى إلى تمثيل آرائي بقدر ما أسعى إلى كشف الخطاب الثقافي وتحليل خصائصه في مجتمع محافظ لم يتعود على التعدد ويتوجس من الاختلاف.









.
.

 

 

 توقيع ديك الجن :
الدِّيكُ يمتدحُ هديلَ الحمامة؛ لأنَّ الحمامةَ تمتدحُ صياحَ الدِّيكِ .


حكمةٌ لا يهم أن تعرف قائلها !!

.
.
ديك الجن غير متصل   رد مع اقتباس