كنتُ أنجز الأعمال المطلوبة على الرغم من دوامة الأفكار هذه حتى أصبحت الساعة العاشرة والنصف صباحاً .
توجهتُ إلى المبنى رقم 60 لأرى إن كان السقف قد رُفعت نواقصه التي أبلغتهم بها يوم أمس أم لا ,
وعلى الرغم من بُعد المسافات بين الأبنية , فقد اخترتُ المشي للوصول إلى هناك , فالمسافة لا تستحق إعطاء أجرة لقطعها .
وصلتُ المبنى وتوجهتُ إلى السلم للصعود إلى السقف الخامس , وفي أثناء الصعود كان لي توقف
في كل طابق لأرى وأسجّل مراحل تقدم العمل فيها وماهي احتياجاتها .
.
وكذلك للإشراف على كيفية إجرائها طبق الخرائط المطلوبة , حتى وصلت الطايق الرابع وإذا بجمال
واقف كأنه ينتظر شخصاً ما , ولما رآني ابتسم ابتسامته الكاذبة التي تعودت عليها ثم قال بلهجة ساخرة :
- ماذا ستفعل يامهندس سعيد , الصب غداً والسقف غير مهيأ .
- لدي الوقت الكافي لتحضيره فلم يبقى نقص إلا الشيء القليل .
- إذن لنصعد فوق السقف ونر هل ما ستقوله صحيح أم لا .
أخذ بيدي يجرها بقوة بعد أن مسكها وهو يقول :
- هيا نصعد فليس لدينا وقت كاف .
- يجب علي أول أن اتفقد هذا الطابق ثم نتوجه لما فوقه .
لاحظ جمال إصراراً كبيراً مني على ذلك , ورأى أن ليس في اليد حيلة فقال :
- حسناً لنتفقد معك هذا الطابق ونرى ماذا سيجري .
لم يطل بقاؤنا فيه كثيراً , بعدها توجهنا إلى السقف الخامس , صعدت بخطوات بطيئة وهادئه تدل على التعب من
الجولة التي قمت بها لحد الآن , اما جمال فلاحظت خطواته مرتبكة , ووجهه مضطرب , ولونه يتغير بين الحين والآخر ,
كما لاحظته في كلامه متردداً تخالطه ابتسامات مفتعلة تظهر بها أسنانه في كل مرة بصورة قبيحة ,
فتعجبت كثيراً من تصرفاته , إنه لا يعلم بحديث البارحة مع مسؤول الشركة بشأنه ,
إذن فما هذه التصرفات الغريبة منه ؟ ! على أية حال وصلنا و استقرت اقدامنا فوق السقف الخامس ,
لقد كانت مساحته كبيرة تقارب الألف متر مربع , ألقيت نظرة عامة عليه فلم أر غير شخصين كانا فوقه ,
اتجه جمال نحوهما , ولم يطل كلامه معهما حتى تفرقا واتجه نحو السلم للنزول , فناديتهما و
واتجهت نحوهما وقلت لأحدهما وقد وضع قدمه على الدرجة الأولى من السلم :
- إلى أين تذهبان ؟ وماذا قال لكما المهندس جمال ؟
- لقد أمرنا المهندس جمال بإحضار 10 قطع حديد بقطر 20 وبطول 4 أمتار .
- لكنا لانحتاج إلى حديد بهذا القطر والطول للسقف , لقد وُضعت ورُبطت كلها بالأمس .
- ماذا نفعل يامهندس فانه قد أمرنا بذلك , وان لم نفعل فسوف يرتفع صراخه علينا .
- حسناً يمكنكما الذهاب , لكن هل أكملتما النواقص التي عينتها لكما بالأمس .
- نعم يمكنك التأكد منها .
ذهبا وتوجهت نحو جمال فرأيته وقد اصبح الارتباك على وجهه اكثر فأكثر , وازداد احمرار لونه فسألته قائلاً :
- جمال مالذي حدث ؟
- لاشي , تعال هناك لأريك النقص الذي لم يصلح لحد الآن .
قال هذا وقد أمسك بيدي ليجرها نحوه , وهو يشير إلى حافة السقف قائلا:
- هناك لنذهب هناك .
اتجهت نحو حافة السقف ونظرتُ إلى الحديد الذي رُبط فيه فرأيته مطابقاً للخرائط , وليس فيه نقص يُذكر ,
فوقفت منتصباً لأقول له إن الربط صحيح , لكن قبل أن أتفوه بكلمة , أحسستُ بوضع يديه على ظهري ,
ودفع بي بقوة من على السقف إلى الأسفل , ولم يكن هناك شي تمسك به يدي , فنظرتُ لما تحتي
في اللحظة الأولى من السقوط , وإذا بقطع الحديد الحادة المبعثرة هنا وهناك , حينها تيقنتُ أنها لحظات الخلاص ,
وماهي إلا أنفاس قليلة وتنكشف الأسرار ويظهر الغيب الذي أُخفي عني طول عمري , هي لحظات معدودة
لا أكثر وسأصل إلى ما تخوفتُ منه تارةً واشتقتُ إليه تارة أخرى .
هي لحظات السقوط بين السقف الخامس والأرض , وقد لا أعطي حقها في الوصف إن وصفتها ,
لكن أقول بشأنها انه لم يبق لي فيها غير الله أحد في الوجود أتوجه إليه , ولاشي انظر فيه ولا أمل أتطلع إليه ,
فقد قطعتُ خيوط الأمل من كل شي غير الله , بل كل شي غاب عني ولم يبق لي أحد سواه ,
وحقاً في تلك اللحظات أحسستُ بمعنى التوحيد , وتذوقتُ طعمه , حينها نطق لساني صارخاً يا الله يا الله يا ...
ولم أكمل الثالثة حتى سمعتُ صوت السقوط قوياً على الأرض , وبدأ الألم شديداً يسري في بدني ,
وسُلبت مني القدرة على الصراخ , وانشلّت أعضائي عن الحركة , وحجبت عني الرؤية ,
فلم اعد أر شيئاً ولا أبصرُ احدا وغرقت ُفي إغماء شديد وعميق ...
.
.