فتحت باب السيارة بعد توقفها و شكرته على إيصاله إياي ، ولا أعلم إن كان قد فهم كلامي الأخير و مقصده
أم لا ، لكن يبدو من نظراته العميقة لي أنه أدرك ما أقول .
طرقت باب البيت و إذا بصوت أقدام مرتضى يطرق سمعي و هو يركض بسرعة حتى و صل الباب و فتحه ،
نظرت إليه لأرى و جهه مرتبكا و لونه مصفر و دموعه جارية فقال:
مرتضى : بابا ، بابا ، ماما خرجت و قالت الآن اذهب و أعود لكنها لم تعد لحد الآن ......
سعيد : متى ذهبت و إلى أين ؟
مرتضى : بعد الصلاة قالت لي سأذهب لأشتري شيئا من الدكان الذي في رأس الشارع فلا تخرج من البيت و سأعود فورا ، لكنها لم تعد بعد .
أمسكت بيد مرتضى الذي لم يتجاوز سنينه الأربع ، و ذهبنا معا إلى الدكان الذي عادة ما نشتري منه احتياجاتنا
وما أن وصلت إليه و سلمت على صاحبه حتى رأيت الارتباك على وجهه ، و بدأ يتململ في كلامه ،
فعلمت من ذلك أن أمرا ما قد حدث ...
فسألته مستغرباً :
- هل أتتكم أم مرتضى قبل ساعتين ؟
- نعم .. نعم .. و ..
- وماذا ؟
كان مضطرباً في كلامه وكأنه قد أذنب ذنباً يحاول الاعتذار منه فقال :
- بعد أن اشترت ما تريد أرادت عبور الشارع إلى الجهة الأخرى ,
فلم تكد تخطو خطوةً حتى أتت سيارة بسرعه عالية و..
- وأين هي الآن ؟
- نقلوها الى المستشفى المركزي .
- انتابني أسف وحزن عميق , واسترجعت في نفسي وقلت :لاحول
ولاقوة إلا بالله , والحمد لله رضاً بقضائه وصبرا على بلائه .
- طلبت من صاحب الدكان استخدام هاتفه فقال :
- نعم نعم , هل اتصل لك بشخص ما ؟
- أكون شاكراً لك .
أعطيته رقم الهاتف المطلوب وهو هاتف نقال لسائق إجرة تعرفت عليه مسبقا , وكثيراً ماكنت استأجره بهذه الطريقة
لغرض تنقلاتي الخاصة بالشركة , فتحدثت معه وأخبرته بالمكان المطلوب حضوره إليه , ثم تقدمت خطوات
نحو مكان الحادث فرأيت آثر دماء متفرقة لاتزال باقية هنا وهناك , وسيارة وسط الشارع بصورة غير اعتيادية
قد لطخت مقدمتها بدم مبعثر , حينها أحسست أن الحادث كان شديداً قد لا يبقي على حياتها
- بابا أين ماما لنذهب لرؤيتها .
- حسناً ياولدي سنذهب إليها عن قريب .
- بابا , بابا هذا عمو جمال .
لم ينتظر مرتضى جوابي له , وذهب مسرعاً نحو جمال بعد أن رآه قد نزل من سيارته وقبل أن يصل إليه عاد
ليمسك بيدي ويجرها نحوه وهو يقول :
- بابا هذه سيارة عمو جمال لنذهب معه .
تقدم جمال نحونا وهو يحاول إظهار تأسف وحزن مصطنع على ماحدث بعد إطلاعه على الموضوع من الأطراف فقال :
- يؤسفني ماحدث لزوجتك , أرجو أن تكون بحال حسن الآن ولا يكون الضرر كبيراً , لنذهب بسرعه
إلى المستشفى فسيارتي بخدمتك .
- أشكرك فإني قد اتصلت بسيارة لتأتي بعد قليل .
- اتركها , سيأتي ويعود وهل في ذلك شيء ؟
- نعم , فحين استأجرته يجب إعطاؤه حقه وإرضاؤه ولا يجوز الفرار من إجرته . لم تتأخر سيارة التاكسي
كثيراً فقد جاء مسرعاً وكأنه يعلم بالحادث , فركبت معه وتحرك بينما أعين جمال كانت تلاحقني بنظرات ثاقبة وأعين ساخطة ...