السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
السلام عليك ياروح الله :
باسمه تعالى
كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله في الذكرى السنوية الرابعة عشرة لرحيل الإمام روح الله الموسوي الخميني (قده) 4-6-2003
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا شفيع ذنوبنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين وجميع أنبياء الله والمرسلين والشهداء والمجاهدين في سبيل الله منذ آدم الى قيام يوم الدين
السادة والسيدات، الاخوة والأخوات، أيها الحفل الكريم، السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.
في الوقت المتاح وفي ذكرى الحادث الجلل، وأمام التحديات الكبرى لا وقت اليوم وفي هذا الحفل لحديث القلب وان كان لامامنا وسيدنا روح الله الموسوي الخميني في قلوبنا وأرواحنا وضمائرنا من المكانة والموقع والحضور ما يعجز اللسان عن شرحه وعن وصفه وعن التعبير عنه. في ذكرى رحيل الامام نعود الى الامام، الى فكره وشخصيته وقيادته، نستلهم منه ما يمكن أن نواجه به تحديات الحاضر وأخطار المستقبل، في كل السنوات الماضية كنا نفعل ذلك ونتعلم من الامام الموقف، عندما كنا نتحدث عن الامام الخميني والوحدة، والامام الخميني والقدس، والامام الخميني والجهاد والمقاومة، والامام الخميني وارادة الشعوب.
اليوم أود ومن وحي كل هذه التطورات الخطيرة والكبيرة التي حصلت أن أشير الى ميزة، الى صفة أصيلة في شخصية هذا الامام، ما نحتاج اليها في هذه المرحلة هي صفة الشجاعة والثبات. كان الامام معروفا بشجاعته الكبرى وكانت الشجاعة صفة أصيلة في روحه وكيانه وأخلاقه ووجوده المبارك، وهنا لا أتحدث عن الشجاعة كخلق شخصي نريد أن نتغنى بحسن خلق امامنا، وانما اتحدث عن هذه الصفة، لأنها كانت الصفة المركزية في شخصية القائد الذي استطاع أن يصنع هذا التحول، فالفكر والعقيدة والإيديولوجية والمشروع ووضوح الرؤيا وصفاؤها وسلامة الموقف وصوابية الطريق، كلها ليست كافية ان لم يتمتع قادة هذا الطريق واتباع هذا الطريق بشجاعة القيام وشجاعة الوقوف وشجاعة المواصلة، لا مكان في هذا العالم لأي فكر أو عقيدة أو ايمان ان لم يحمل رايته أولئك الشجعان المستعدون للتضحية بالغالي والنفيس وفي كل زمان وظرف ومكان.
أيها الاخوة والاخوات؛ نحن في هذه المرحلة الخطيرة ندعو الى استلهام هذه الصفة والى استحضار هذه الصفة في الزعماء والقادة والنخب الفكرية والثقافية والسياسية والقيادات وكل المواقع التي تمارس فعلا توجيهيا أو قياديا في هذه الأمة، في أي موقع وفي أي مكان من هذه الأمة. هذه الصفة يمكنها أن تحسم مصير ومستقبل شعب ووطن وأمة في مرحلة تاريخية حساسة؛ صفة شخص قائد يمكن أن تغير الكثير من المعادلات وبمعزل عن اختلال موازين القوى في الميدان، وهذا حصل كثيرا في التاريخ.
طالما كانت تحصل مواجهات حادة ويأتي ذكاء قائد واحد، ذكاؤه وحنكته وشجاعته وهدوء أعصابه ورؤيته لتغير مسار المعركة ولتغير مسار التاريخ. المسألة ليست هي دائما مسألة الحجم والحشود والقوى الكبرى، المميزات الشخصية في القادة لها تأثير مصيري في أي مواجهة يمكن أن تحصل، وهذا هو الذي جرى في ايران مع الامام <img src='style_images/1/p3.gif'> في بدايات الثورة سنة 61 ـ 62 ـ 63 للميلاد عندما بدأت الثورة برجل واحد اسمه روح الله الموسوي الخميني، وهاجم بوليس الشاه تلك المدرسة الفيضية فقتل الطلبة واعتقل كثيرين، وجاؤوا الى بيت الامام وقالوا له: يمكنك أن تتحدث بما شئت ولكن هناك خطوط حمراء لا يجوز لك أن تتجاوزها؛ لا تتحدث عن الشاه ولا عن "إسرائيل" ولا عن أمريكا؛ أما الحكومة الايرانية ورئيسها ووزرائها لا مشكلة. الشاه و "إسرائيل" وامريكا هي خطوط حمر مقدسة.
في ذلك الجو المرعب في مدينة قم في البدايات، لو جبن الامام، لو ضعف الامام، لو خاف الامام، لما كانت ثورة، ولما كان نظام جمهورية اسلامية، ولما تحرر الشعب الايراني من أقسى طاغوت مستبد، تدعمه الولايات المتحدة الامريكية، ولما طرد الموساد والصهاينة والخبراء المحتلون الامريكيون من أرض ايران. في ذلك اليوم، شجاعة الامام وعزمه وارادته وتصميمه على المواصلة هو الذي بذر البذور الأولى وحسم مسار هذه الثورة، وفي النهايات ـ هذا مثل من البدايات ـ في النهايات عندما جاء الامام <img src='style_images/1/p3.gif'> من باريس الى طهران واعلنت الحكومة الايرانية الشاهنشاهية في ذلك الحين الطوارئ والاحكام العرفية في كل ايران، وانزلت الى الشوارع كل فيالق الجيش الايراني، واصدرت الاوامر باطلاق النار على المتظاهرين في أي مدينة وفي أي مكان وفي أي زمان، في تلك الليلة كانت الثورة الاسلامية عند مفترق طريق، وكان الشعب الايراني عند مفترق طريق، بل كانت الأمة الاسلامية عند مفترق طريق. وجمع الامام أعوانه ومستشاريه وسألهم رأيهم، وكانت الأغلبية ان لم يكن الاجماع يقول للامام، يجب أن نحاذر دون نزول الناس الى الشوارع يوم غد، لأنه لو نزل الناس الى الشوارع ستسحق الدبابات ورصاصات جيش الشاه صدورهم وعظامهم، وسيقضى على الثورة، وقال لهم الامام ان لم ننزل غدا الى الشارع فان الثورة يعني قد انتهت، وسيدخل جيش الشاه الى بيوت المراجع والعلماء والقادة ليعتقلهم ويعدمهم في يوم واحد.
الامام بصفته هذه، بقيمة الشجاعة التي كانت تمتلكه، أخذ القرار وسأله بعض كبار الفقهاء، يا سيدنا من الذي يجيب الله يوم القيامة عن سيل الدماء الهادر الذي سينزف غدا، فقال روح الله بكل شجاعة ويقين: أنا روح الله عبد الله الفقير أملك الجواب الواضح يوم القيامة عن كل هذه الدماء.
وفي اليوم الثاني نزل الشعب الايراني الى الشارع وانهزم الجيش وسقط الشاه وانتصرت الثورة ولم يسفك الدم، وكان الله مع عبده الشجاع المخلص المضحي في ذلك القرار، رجل واحد بشجاعته وحكمته استطاع أن يغير ويبدل مسار التاريخ في ايران وفي المنطقة.
يجب أن ندرك ايها الاخوة والاخوات، أن الشجاعة لا يعني التهور، أن الشجاعة لا تناقض الحكمة، أن الشجاعة لا تعني التعقل والتروي أبدا، بل أقول لكم أن الشجاعة شرط في التعقل وشرط في التروي وشرط في الحكمة، لأن القلب الذي يتسلل اليه الخوف، لأن الانسان المرعوب لا يشتغل عقله وتضيع عنده قواعد الحكمة ويخطئ في قراءة الواقع، من لا أعصاب له ولا قلب له لن يبقى له عقل شغال ولا عقل فعال ليدرك المصلحة فيطلبها ويعرف المفسدة فيجنبها أمته وشعبه. الشجاعة هي شرط الحكمة، أنا لا أتصور وخصوصا في مواقع القيادة أنه يمكن أن تجتمع الحكمة مع الجبن ولا يمكن أن يكون الجبناء حكماء ولا يمكن أن يكون الجبناء قادة وأمة تضع مصيرها في يد حفنة من الجبناء هي أمة مهزومة لا محالة.
اليوم يحدثنا البعض عن السلام وهؤلاء هم أنفسهم الذين كانوا يحدثوننا خلال كل السنوات الماضية، عن اي سلام وعن أي أمن وديموقراطية ورخاء وتنمية وعدالة وحرية يحدثنا هؤلاء؟ والامريكيون اليوم هم أكثر التصاقا بالصهاينة، "بإسرائيل"، بالمشروع الصهيوني، أكثر من أي زمن مضى لتاريخهم الذي تحدث عنه أخونا العزيز الاستاذ وليد، ولحاضرهم الآن الدولة التي تمارس الاحتلال لن تتفهم على الاطلاق مشاعر شعب محتل في فلسطين، الدولة التي تنهب خيرات العراق، الدولة التي تعتدي على مقدسات العراق، الدولة التي تصادر حرية الشعب العراقي لا مكان لديها لا لمقدسات الفلسطينيين ولا لخيرات الفلسطينيين ولا لحرية رأي الفلسطينيين ولا لكرامة الفلسطينيين؛ عن أي سلام يريد هؤلاء أن يحدثونا؟
ما جرى بالأمس وما جرى أو يجري اليوم يمكن بكل بساطة وصفه بقمة أو قمم الاملاءات الامريكية، الأستاذ بل الجبار الأمريكي يجمع عددا من الرؤساء والملوك ويبلغهم ـ أنا حتى الآن لم أفهم لماذا قطع الارسال في شرم الشيخ، البعض قال خلل فني، ما هذا الكلام ـ حتى لا تسمع شعوب الدول العربية اللغة والمنطق والأوامر التي سيوجهها السيد بوش لملوك ورؤساء بلدانهم، هذه هي الحقيقة، ثم جاء المؤتمر الصحفي ليتحدث عن الالتزامات، التزامات كلها ترتبط بالانتفاضة الفلسطينية وبالمقاومة الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني؛ ليست هي المرة الاولى ايها الاخوة والاخوات التي يجتمع فيها كبار وصغار وجبابرة وأقزام في شرم الشيخ ليتخذوا قرارات تتصل بتصفية حركات المقاومة في فلسطين؛ ليست هي المرة الاولى، يقولون "لا" الظرف الآن مختلف، ونقول أنه وقتها أيضا كان الظرف مختلفا، ويومها كانوا أقوياء وجبابرة وكان الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين واليابان وأكثر من هذا العدد من الدول العربية، وواجه الشعب الفلسطيني وواجه لبنان وسوريا تلك الحملة الشعواء بمنطق الصمود والصبر والارادة والثبات وتجاوزنا تلك المرحلة. اليوم ما جرى في شرم الشيخ هو يعني لو كانت فلسطين ملكا شخصيا لبعض الاشخاص لما قبلوا أن يتنازلوا عنها بهذه البساطة؛ أن يقال لك أوقف دعمك للإرهاب حاصر الجماعات الارهابية، افعلوا كيت وكيت .. ونعدكم أننا سنناقش وأننا سنفاوض وأننا سنعطي وأننا وأننا .. علينا أن ندفع كل شيء ونقدم كل شيء وفي المقابل وعد بالدولة الفلسطينية المؤقتة التي لا نظير لها في التاريخ، وعد بالمفاوضة على الأوضاع النهائية، ثم يأتي شارون ليعلن أن لا حق عودة للاجئين الفلسطينيين أن القدس عاصمة أبدية "لإسرائيل" غير قابلة للتجزئة وأن المستوطنات الموجودة سوف يتم توسعتها لأسباب انسانية.
بوش يطلب من العرب أن يفعلوا كل شيء وكل ما بوسعهم لانهاء الانتفاضة في فلسطين، ولكنه يطلب بلغة مؤدبة من شارون التعامل مع قضية المستوطنات، التعامل وماذا يعني التعامل؟ عبارة مبهمة غامضة لم نفهم منها شيئا على الاطلاق. وبعد ذلك يطرح شارون في هذه الأيام ما هو خطير جدا وما أريد أن أدعو الى الانتباه اليه وتحليله ودراسته بعمق.
لماذا الاصرار على أن يعترف أبو مازن والفلسطينيون "بإسرائيل" كدولة يهودية؟ هم في اوسلو اعترفوا بدولة "إسرائيل" القائمة على أراضي الـ48 وذهبوا ليفاوضوا على أراضي الـ67. إعترفوا بها دولة قانونية شرعية الى آخره. لماذا الاصرار الآن على الاعتراف بها دولة يهودية؟ هذا كلام خطير جدا جدا، يمكن لم يتسن للبعض أن يقرأه أو يحلله أو يقف عنده حتى الآن، في الوقت الذي يطالب فيه الفلسطينيون والعرب باعادة اللاجئين الفلسطينيين يقال أن "إسرائيل" دولة يهودية، يعني لا عودة للاجئين الفلسطينيين، ولو كان الأمر عند هذه الحدود لما سمعنا جديدا، ولكن الدعوة الى اعتراف فلسطيني وعربي بأن "إسرائيل" دولة يهودية يكشف عن شيء قائم وثابت في عقيدة هذا الكيان الصهيوني وهي عقلية وعقيدة التطهير العرقي. اننا نشم من رائحة المطالبة بالاعتراف بأن "إسرائيل" دولة يهودية، نشم منها رائحة مشروع الترانسفير، مشروع تهجير فلسطينيي الـ48. يأتي الفلسطيني أو العربي ليقول أعيدوا اللاجئين في لبنان وفي سوريا وفي الأردن وفي أماكن أخرى فيجيب شارون تعالوا واقبلوا أن أهجر اليكم الذين يعيشون عندي في الـ48. هل هذا مقدمة لمشروع تهجير فلسطينيي الـ48؟ هل هذا مشروع في الحد الأدنى سلب فلسطينيي الـ48 من جميع حقوقهم المدنية؟ هذا ما يجب أن نبحث عنه؛ وهذا يعني أن "إسرائيل" في الحقيقة وللأسف الشديد تحسن الآن الاستفادة من الظرف الدولي والاقليمي لتمرير مواقف ومشاريع وأفكار ما كانت تظن أن يتاح لها فرصة طرحها علنا وبهذه الشاكلة.
وله تتمة
وتقبلوا المسك من حامله