السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إليكم أيها الإخوة والأخوات هذا المقطع الجميل من خطبة لأمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام والتي يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض،وخلق آدم،وفيها ذكر الحج مع بعض الشرح لعلمائنا الأجلاء من هنا وهناك ،لما يحتويه هذا المقطع المبارك من دلالات قيمة وعميقة حول توحيد الله تعالى وصفاته ،وإليكم المقطع الذي هو محل البحث وبالله التوفيق:-
"أَوَّلُالدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ،وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِالْإِخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الْإِخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ،لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّمَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُفَقَدْ قَرَنَهُ، وَ مَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَ مَنْ ثَنَّاهُفَقَد جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُفَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْحَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ: «فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْقَالَ: «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنُهُ. كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ، وَغَيْرُ كُلِّ شَيءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالْآلَةِ، بَصِيرٌ إذْ لاَمَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ إذْ لاَ سَكَنَيَسْتَأْنِسُ بهِ وَلاَ يَسْتوْحِشُ لِفَقْدِهِ".
بسم الله أبدأ:أولاً:"أَوَّلُالدِّينِ مَعْرِفَتُهُ":-
*يقول آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه نفحات الولاية :-
[فقد قال(عليه السلام) مبتدأ «أول الدين معرفته». لا شك أنّ الدين هنا يعني مجموعة العقائد والواجبات والوظائف والأخلاق، ومن المعلوم أنّ دعامتها الأساسية هى «معرفة الله»، وعليه فمعرفة الله تمثل الخطوة الاولى على الطريق من جانب والمحور الرئيسي لكافة أصول الدين وفروعه، وليس لهذا الدين من حيوية دون هذه المعرفة ـ أمّا أولئك الذين يعتقدون بأنّ هناك شيئاً آخر قبل معرفة الله، إلاّ وهو النظر في طريق معرفة الله والتحقيق بشأن الدين ووجوب المطالعة، فهم على خطأ كبير. وذلك لأنّ وجوب التحقيق يمثل أول الواجبات، بينما تمثل معرفة الله أول دعامة للدين، أو بعبارة أُخرى فان التحقيق مقدمة ومعرفة الله أولى مراحل ذي المقدمة.
والنقطة الاُخرى المفروغ منها هى أنّ المعرفة الإجمالية قد أودعت فطرة الإنسان ولا تتطلب أدنى تبليغ بهذا الشأن، وإنما بعث الأنبياء لاستبدال هذه المعرفة الإجمالية بتلك المعرفة التفصيلية الكاملة المتقنة وإغناء جوانبها وتطهير الفكر البشري من أدران الشرك وأرجاسه].
*ويقول ابن أبي الحديد في شرح النهج:-
[إنما قال عليه السلام :"أول الدين معرفته"،لأن التقليد باطل، وأول الواجبات الدينية المعرفة. ويمكن أن يقول قائل:ألستم تقولون في علم الكلام :أول الواجبات النظر في طريق معرفة الله تعالى؛وتارة تقولون:القصد إلى النظر؟فهل يمكن الجمع بين هذا وبين كلامه عليه السلام؟
وجوابه أن النظر والقصد إلى النظر إنما وجبا بالعَرَض لابالذات؛لأنهما وُصلة إلى المعرفة والمعرفة هي المقصود بالوجوب،وأمير المؤمنين عليه السلام أراد :أول واجب مقصود بذاته من الدين معرفة البارئ سبحانه؛فلا تناقض بين كلامه وبين آراء المتكلمين].
*ويقول آية الله الشهيد دستغيب (قدس) في كتابه سلسلة أصول الدين عندما يتحدث عن أن معرفة الله واجبة بحكم العقل:-
[مسألة معرفة الخالق من الواجبات القطعية عند العقل بحيث أن أي عاقل يحكم عقله بأنه من الواجب عليك معرفة الخالق لك المنعم عليك وأن تشكره على نعمه.والأوامر التي وردت في القرآن المجيد حول وجوب المعرفة من قبيل:تفكروا..تدبروا..انظروا..كلها من قبيل الإرشاد إلى ذلك الحكم العقلي.يعني أن القرآن المجيد بيَّن الأحكام التي يأمر بها العقل بقطع النظر عن أوامر القرآن،فهو يدرك لوحده بأنه يجب عليك أن تعرف خالقك والمنعم عليك وتشكره على ذلك.
فالعقل يقول أن تتفكر وتتدبر في الآيات والموجودات والقرآن أيضاً يذكر بهذا المعنى،بل قد يذكر في بعض الآيات مع تأكيد أكثر].
*الحديث السابع والثلاثون من كتاب الأربعون حديثاً للإمام الخميني(قدس)هو بعنوان:"معرفة الله بالله والرسول بالرسالة:-
[عن أبي عبدالله عليه السلام قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام:"اعرفوا الله بالله ،والرسول بالرسالة،وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان".
قال ثقة الإسلام الكليني رضوان الله تعالى عليه ومعنى قوله عليه السّلام اعرفوا الله بالله يعني أن الله خلق الأشخاص والأنوار والجواهر والأعيان ـ فالأعيان الأبدان والجواهر الأرواح ـ وهو جلّ وعز لا يشبه جسماً ولا روحاً وليس لأحد في خلق الروح الحسّاس الدرّاك أمر ولا سبب وهو المتفرد بخلق الأرواح والأجسام فإذا نفي عنه الشبهين: «شبه الأبدان وشبه الأرواح فقد عرف الله بالله وإذا شبه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله»].
*ولاننسى الرواية القائلة:"من عرف نفسه فقد عرف ربه"،فمعرفة الإنسان بضعف نفسه واحتياجها وعجزها يوصله إلى معرفة الغني المطلق والقوي العزيز جل وعلا.
يتبع........