][ باب الولايـــــــــــة ][
كنت أشعر بأنني أسير بخفة أكثر من السابق ، وكأنني أريد التحليق وأصل وادي السلام خلال لحظة واحدة ، نظرت إلى الأعلى فلم أجد أثرا للنار ، لكن طبقات خفيفة من الدخان كانت تلوح في الأفق لكنها كانت في طريقها إلى الزوال بإطلالة نور أبيض بهيج ، وكانت تطل علينا بين الحين والآخر أشجار خضراء زاهية ، كنا نطوي طريقنا بسرعة فائقة وقليلا ما كنا ننتبه إلى ما يدور حولنا .
كنا نواصل مسيرنا وإذا بنا نلمح عن بعد بابا يحتشد عندها قوم وقفوا ينتظرون ويحرسها ملائكة شداد أقوياء . وقفت عند الباب دون اختيار وأخذت أراقب الحراس والحشود الواقفة ، وبين الحين والآخر يسلم بعض الناس أوراقا خضراء للحراس فيعبرون من الباب ، فأدرت عيني نحو ( حسن ) الذي كان واقفا خلفي ويراقب تصرفاتي ، فسألته : ما الذي يحدث هنا ؟ أجابني : هذا خط السعادة فهو آخر نقطة من برهوت . ثم واصل كلامه بنبرة خاصة : هنا باب الولاية فمن عبرها نال السعادة الأبدية . قلت : وماذا تعني باب الولاية ؟
قال : لا يدخل وادي السلام إلا من تعلق قلبه في الدنيا بمحبة علي ( ع ) وآل النبي(ص ) . فيمنح مثل هؤلاء بطاقة الولاية ليعبروا من هذا الباب بيسر ويقتربوا من أبواب وادي السلام .
سررت كثيرا لسماعي اسم وادي السلام ، لكنني سرعان ما أخذت أفكر ببطاقة الولاية فتوجهت مرعوبا مضطربا إلى ( حسن ) وقلت له : لقد كنت في الدنيا محبا ومواليا لأهل البيت (ع) لكنني لا أمتلك بطاقة الولاية ، فأشار بيده إلى يمين الباب وقال : اذهب إلى تلك الخيمة الخضراء ، فتوجهت إليها على عجل ، فوجدت فيها رجلا يرتدي ثيابا بيضاء حسن الوجه وقد جلس في زاوية منها ويتحدث مع أحد البرزخين ، وكأن ذلك الشخص كان محروما من بطاقة العبور وهو الآن يتوسل للحصول عليها .
قال الرجل ذو الثياب البيضاء لذلك البرزخي : كما قلت لك عليك العودة إلى وادي الشفاعة عسى أن يدركك الفرج وإلا فإن مشكلتك أنت والواقفين في الخارج لا تحل هنا .
غادر البرزخي الخيمة مهموما ، فدخلت وألقيت السلام ثم جلست أمام ذلك الرجل العظيم ، فرد علي السلام ، وقبل أن أبوح بطلبتي تصفح دفترا كان أمامه ، وكانت رجلاي ويداي ترتجفان ، ولكن لم يطل بي المقام حتى امتدت يده نحوي وهي تحمل بطاقة خضراء ، ولما سلمني إياها تبسم بوجهي وقال : لقد بلغت السعادة فهنيئا لك .
وهكذا مررنا من باب الولاية وخلّفنا وراءنا المأمورين ومن لا ولاية لهم .
.
][ أبواب وادي السلام ][
ألقيت ببصري إلى الأعلى . لا أثر للدخان والنيران ، وكل ما في الأجواء نور ، كلما تقدمنا إلى الأمام كانا يزدادا توهجا ، الأرض مستقيمة والخضرة واللطافة تشاهد في كل الأرجاء ، والفرح سلب مني الاستقرار، حتى ( حسن ) فقد شاهدته مسرورا بحيث لم أراه أبدا قد غرق بمثل هذا السرور والفرح قبل ذلك ، ودون وعي مني تقدمت ( حسن ) وأخذت أواصل طريقي مهرولا .
ابتعدنا قليلا عن باب الولاية فانشطر الطريق إلى ثمانية فروع ، لم أعرف ماذا أصنع ، وبأي اتجاه أسير ، توقفت حتى وصل ( حسن ) فاستفسرت عن مصيري ، وضع ( حسن ) يده على كتفي وقال : للجنة في يوم القيامة ثمانية أبواب واحدة للنبيين والصديقين وواحدة للشهداء والصالحين ، وواحدة للمسلمين من لم يضمروا العداء لآل البيت ( ع ) وخمسة أبواب للشيعة وأتباع أهل البيت ( ع ) ، ووادي السلام صورة مصغرة للجنة ونفحة منها . ثم أشار إلى أحد الطرق وقال : هذا هو طريقنا عجّل وتعال معي .
لم نتقدم شيئا فهب نسيم لطيف فعمّ الأجواء عطر دفعني لأن أقف وأتنسم عبائره دون وعي مني ، نظرت إلى وجه ( حسن ) الجميل الباسم قد تسمّر في وجهي ، فسألته : ما الأمر ؟ ولماذا تنظر إلي هكذا ؟ أجابني مسرورا : هذا عطر الجنة قد هبّ من وادي السلام وهو دليل على اقترابنا من المقصد وعليّ الذهاب الآن ، فاختفت البسمة عن ملامحي فسألته مضطربا : إلى أين تريد الذهاب ؟ ألم يكن القرار أن نكون معا إلى الأبد ؟
فتبسم ( حسن ) وقال : لا تخف لن أفترق عنك أبدا ولكن لابد من أن أذهب أمامك إلى وادي السلام لكي أهيئ دار السلام التي خصصت لك .
فسألته مسرورا : وأين هي دار السلام ؟
فأجاب : لكل مؤمن مستقر آمن واستقرار في وادي السلام تسمى دار السلام .
عمر فؤادي بالفرح وتفتحت شفتاي ببسمة غامرة ، ثم سألته : ما الذي عليّ أن أصنعه بانتظارك ؟
قال وهو يسير : واصل طريقك بتؤدة فإذا ما وصلت الباب ستجدني هناك .
سار ( حسن ) مسرعا وواصلت طريقي بنفس الاتجاه حتى لا ح أمامي من بعيد باب وادي السلام ، ضاعفت من سرعتي وكلما تقدمت إلى الأمام كنت أشاهد الباب يكبر أمامي ، وشيئا فشيئا كانت تبدو بالأفق أشجارا خضراء على جوانب الباب ، فقدتُ صبري فأخذت أسير راكضا ، في تلك الأثناء شاهدت ملائكة يحلقون باتجاهي فتوقفت إجلالا لهم ، ولما أصبحوا فوق رأسي قالوا معا : السلام عليك أيها العبد الصالح ، طوبى لك الجنة والسعادة ، فرددت عليهم قائلا: الحمد لله الذي لم يحرمني الجنة .
ودعني الملائكة وذهبوا ، عرفت أنني اقتربت من مقصدي ، أخذت أركض بسرعة حتى وجدت نفسي عند باب السعادة والرفاه أي وادي السلام .
.
][ حفل الاستقبال ][
عندما وقع بصري على الأوضاع داخل وداي السلام بهت وتسمرت في مكاني وتملكتني الدهشة لرؤية تلك المناظر الجميلة التي لا يمكن تصديقها .
لم أدرِ كم قضيت وأنا على تلك الحال حتى شعرت أن هناك من يهز كتفي ، فتحت عينيّ فإذا بي أشاهد وجه ( حسن ) الباسم ، فأحسست بالراحة لرؤيته مرة ثانية إلى جانبي فاحتضنته ، وفي تلك الأثناء همس ( حسن ) في أذني : لقد جاء بعض المؤمنين لاستقبالك ، تأملت قليلا وإذا بزمرة من المؤمنين وقفوا أمامي مبتسمين ، تركت ( حسن ) وتوجهت نحوهم بهدوء ، ولما وصلت عندهم رحبوا بي جميعا ، وبدوري سلمت عليهم واحتضنتهم واحدا واحدا .
ثم سألني أحد المؤمنين عن أخيه ، فقلت له : إنه لم يزل يزرع في مزرعة الدنيا ، وسألني آخر عن أحد الأشخاص فأجبته : لقد رحل عن الدنيا قبل مجيئي إلى البرزخ بسنوات فأطرق السائل برأسه وقال : أعانه الله ، فسألته بعجب : ماالذي حصل ؟
قال : إنه لم يأت إلى هنا لحد الآن . إذ ذاك فهمت أنه مازال ممتحنا في وسط الطريق أو استقر في وادي العذاب . ثم تقدم أحد المؤمنين نحوي مستفسرا عن أحد الطواغيت في الدنيا فأجبته : للأسف إنه لم يزل حيا ويواصل طغيانه ، فقال لي : لا تأسف إذ أن الله لا يمد الكافرين والظالمين خيرا لأنفسهم بل ليرتكبوا المزيد من الخطايا فينالهم العذاب الأليم في الآخرة .
انتهى حفل الاستقبال بعد أن آنست بهم ولم أشأ تفرقهم عني . وقد شعر ( حسن ) بما يدور في داخلي فقال لي : لا تقلق فإنك ستلتقي بهم وبسائر المؤمنين الذين يلتقون ببعضهم البعض بين فترة وأخرى ، ومدة كل لقاء تتبع درجة الملاقي والملاقى ، ثم سحبني من يدي وقال : هيا بنا فقد أعددت لك مستقرك .
ونحن نسير كنت أشاهد أهل وادي السلام زرافات زرافات جاؤوا للقاء بعضهم البعض وقد تحلقوا حلقات حلقات فيتحادثون فيما بينهم تغمرهم الفرحة والسعادة والابتسامة تعلو وجوههم .
.
][ كوثر البـــــــــرزخ ][
ثم وصلنا نهراً جميلاً وعجيباً لم أرَ مثله طيلة حياتي, بل لم أكن أتصور حتى في عالم الخيال, ففي جانب منه ماء زلال وفي الجانب الآخر يجري لبنُ سائغُ أكثر بياضاً من الصقيع, والأعجب من ذلك هو جريان شراب بينهما يشبه في حمرته الياقوت قلَّ نظيره بالجمال ونظرت إلى بداية النهر ونهايته فلم أجد له بداية أو نهاية. ووقعت عيناي على أشجار ورياض على جانبي النهر كانت مناظرها من الدهشة بحيث أنني لم أرَ مثلها ولم تخطر على بالي حتى في عالم الرؤيا. تعلّقت عيناي بالنهر فسألت عن منبعه, فأجابني "حسن": أنه نهر الكوثر الذي ورد الحديث عن منابعه في القرآن الكريم وهو يجري على امتداد وادي السلام, كل في كلم منطقة يتميز بطعم خاص, فقلت: ولماذا؟ قال: كلما تسامت منزلة المؤمن ازداد مستقره روعة وبذلك يزداد نهر الكوثر جمالاً. ثم حلَّق ببصره إلى آخر النهر فقال: عندما يمر النهر من وادي الشهداء فانه يصبح جميلاً ولطيفاً بحيث تقصر الأبصار عن النظر إليه, سألته متعجباً: إذا كان الأمر كذلك فكيف يكون عبوره عند الأئمة عليهما السلام؟ أدار "حسن" ببصره نحوي وقال: ماذا تقول؟ انهم في غنىً عن هذا النهر, فكل ما في هذا النهر من لذةٍ وحلاوة ورقّةٍ إنما هو ببركة الأئمة والأنبياء عليهم السلام, سكت هنيئة ثم واصل كلامه, هناك تقع منابع النهر ونحن الآن نقف على بقعة صغيرة منه. بعد قليل قال "حسن": أتريد أن تشرب منه؟ وحيث إن ذلك لم يخطر ببالي بسبب انشغالي بجمال المنظر. قلت بكل سرور: بالطبع بالطبع, ولم أكن بالمرة منتبهاً إلى إمكانية الشراب من هذه النهر.
فابتسم " حسن" وقال: إذن هيا بنا إلى مستقرك فهناك الكوثر أكثر عذوبة.
أخذنا نسير على ضفة النهر بحيوية ونشاط بالغين, وقد شدّني جمال الكوثر عن المناظر المحيطة به, وكلما تقدمنا أكثر ازداد جمالاً وروعة. وفي كل آنٍ تزداد عندي اللهفة لارتشاف جرعة من النهر حتى بلغنا منطقة توقفتٌ عن الحركة فجأة وتوجهت نحو " حسن" وقلت له: لن أتقدم خطوة واحدةَ إن لم أشرب من هذا النهر! فردَّ عليَّ قائلاً: إن الآن في دار السلام الخاص بك وبإمكانك الارتشاف ما شئت هنيئاً مريئاً, فأخذت أفكر في كيفية تناولي منه فأشار "حسن" إلى أعلى شجرةٍ وقال: أطلب من تلك الحورية التي تجلس على الغصن لترويك, نظرت إلى الأعلى فشاهدت حورية غاية في الجمال وقد أمسكت بكأسٍ رائعٍ في يدها, وقد أجَلْتٌ بنظري إلى الأشجار وجدتٌ فوق كل شجرةٍ حوريةً تحاول خطف فؤادي بدلالها وغزلها, وبإشارة خاطفة ملأت إحداهنّ ذلك إلا إن الظريف بماء الكوثر وقّدمته لي وهي تبدي دلالاً واحتراماً وأدباً, وما إن ارتشفتٌ جرعة منه حتى أصابني السٌكر فلم أعد اشعر بوجود أدنى ألمٍ ووجعٍ في بدني من رحلتي تلك.
.
][ زيارة للعائـــــــــلة ][
هنا تذكرتُ أسرتي فقلت لـ "حسن": أريد بأي نحو كان المرور على الدنيا لأوقظ أهلها من غفلتهم ليعلموا أن الموت يعني الخلاص, خلاص من الآلام والعذاب التي يعج به ذلك العالم, فإذا عرفوا بالصفاء الذي يسود هذا العالم لم يعد الموت مٌرّاً بالنسبة لهم.
ردَّ "حسن" علّ قائلاً: لا إذن لك في إخبارهم عمّا يدور هنا, لكنك تستطيع زيارتهم. فقلت مسروراً: وكيف؟
قال: لكل واحدٍ من أهل البرزخ الأذن في زيارة أهله على هيئة طائرٍ جميل ومدة هذه الزيارة تتناسب مع استحقاقهم, فبعضهم يزورون أهلهم كل يوم جمعة, وآخرون كل شهر, وطائفة يحصلون على إذن الزيارة كل عام مرة واحدة. ربتَ "حسن" على كتفي وقال: تأهب, لأنك تستطيع الآن زيارة أهلك. كان ظلام الليل قد ألقى بأجنحته على الدنيا, جلستٌ على جدارٍ وأخذت أراقب حركاتهم عبر زجاج النافذة, فكانت زوجتي منهمكة بالأعمال المنزلية. أما أولادي فكان كلٌّ منهم منهمك بشأنه, ثم مررتٌ على دار ولدي الكبير وابنتي الكبيرة ومن هناك توجهت إلى بيوت أخوتي وأخواتي, وقد سررتٌ كثيراً لعدم ارتكابهم الذنوب. ولنفاذ صبري على المكوث في الدنيا أكثر من ذلك فقد عاودت الرجوع إلى مستقري في وادي السلام.
.
][ هدايا الأحيــــــــاء ][
مضت مدة طويلة وأنا أداوم على حياتي الزاخرة بالسعادة والصفاء في وادي السلام, وكنت بين الحين والآخر أتنعم بهدايا أهلي والمؤمنين من أصدقائي, تلك الهدايا- وهي دعاؤهم واستغفارهم لي- التي كانت تسعدني وأشعر كأنني غريقاً استطاع النجاة. فيما كانت الخيرات المتأتية عن الباقيات الصالحات التي قمت بها تصلني تباعاً فتدخل السرور إلى نفسي, كما كنت استأنس بمن يزور قبري وأسعد لحضوره. بل إن قراءة الفاتحة كانت أهم عندي من الدنيا وما فيها من حيث الراحة, لكنني كنت أعلم أن الأحياء لا يدركون هذه الحقيقة.
.
][ الظهــــــــــــور ][
ما زالت الحياة المادية قائمة, وما زلنا نحن نعيش في بحبوحة الرحمة الإلهية, وفيما عدا باب الأئمة والأنبياء فإن سائر أبواب دار السلام كانت تستقبل قوافل السعداء في عالم البرزخ, لكن الأخبار الواردة عبر الطرق والسبل في برهوت تحكي عن تورط مجاميع كبيرة من الناس, ومن ناحية أخرى كانت أعداد أهل وادي العذاب في تزايد مستمر في كل آنٍ, وكل ذلك يحمل دلالة على امتلاء الدنيا بالظلم والجور, بحيث أضفت على باب الشهادة من ناحية وعلى وادي العذاب من ناحية أخرى طابعاً جديداً, فيما جعلت الكثيرين يعيشون العذاب في وادي برهوت ولكن لم يطل المقام ولم يستمر الحال حتى سادت وادي السلام حالة مدهشة بسبب حركة الملائكة الدؤوبة, فاستفسرت من "حسن: عن السبب أجابني: كل ذلك يرتبط بالدنيا ويبدو أن حدثاً عظيماً سيقع.
كنتُ جالساً في محفل شيَّق بين مجموعة من الأصدقاء فأطلعت على خبر هذا الحدث العظيم, ففي تلك الأثناء جاء ملكُ وسلَّم على الحاضرين ثم خاطب أحد المؤمنين: لقد ظهر أمامك فإن شئت العودة إلى الدنيا كي تكون إلى جانبه, وإلاّ فبإمكانك البقاء متنعماً في بحبوحة الرحمة الإلهية ففضل ذلك المؤمن الرجعة فغادرنا.
الآن اتضح للجميع أن قائم آل محمد قد ظهر ليسوق الدنيا التي تعج بالظلم والجور نحو الحق والعدالة.
ومضت مدة- رغم قصرها في نظرنا- لكنها تمثل سنوات متمادية من عمر العالم المادي, وكنا نسأل الواردين علينا حديثاً عن أخبار الظهور وقيام الإمام المهدي عليه السلام.
فكان أحدهم يقول لنا: إن الدنيا تشتعل بنيران الظالمين, فكل فئة تشعر بوجود القوة لديها تشهر راية الحرب, فيما لا يسمع أحدُ صوت المظلومين, والقلاقل والبلايا والزلازل المستمرة التي ضربت الأرض قد ضيَّقت الدنيا على سعتها في أعين أهلها, فالجميع مرهقون وقانطون, ولكنهم كانوا ملعقين الأمل بمجيء منقذٍ عادلٍ حريص عليهم.
والإسلام جاء غريباً قد عاد تلفه الغربة من جديد, وهكذا كان حال الدنيا وأهلها إلى فترة سبقت ظهور الإمام المهدي عليه السلام, وفي شهر رجب ارتفعت في السماء ثلاث نداءات أذهلت الجميع, أوّلها قضّت مضاجع الظالمين لأنه أوعدهم باللعن الإلهي (ألا لعنة الله على الظالمين) ولعل منذ تلك اللحظة تأزمت الأوضاع في الشام, وفي النتيجة انتصر جيش السفياني على الفئتين المناهضتين له. وفي ذلك الوقت وقفت تحركات وثورات قد تكون صغيرة أو كبيرة هنا أو هناك من العالم, ووصلت أخبار عن قدوم جيش من خراسان إلى العراق, وقدوم شخص من اليمن يقود جيشاً لنصرة الحق.
ثم حدَّثنا أحد الواردين الجدد: قبل ظهور الإمام عليه السلام ترددت أخبار عن ظهور شخصٍ أعور يدعى الدجال حاول خداع الناس ويزعم أنه الله وعلى الناس أتباعه وقد أوقع الكثيرين في أحابيله عن طريق دعاياته الواسعة الذكية, بحيث أن مجاميع كبيرة كانت تنضم إليه يومياً, كما تتردد الأخبار من مكة عن اجتماع 313 من المؤمنين الصالحين وخيرة البشر على الأرض في المسجد الحرام استعداداً لأمر هام, تبين فيما بعد أنهم جاؤوا لاعلان البيعة لواحدٍ من أبناء رسول الله صلَّ الله عليه وآله وسلم.
في تلك الأثناء حيث كان اليوم جمعة وصادف يوم عاشوراء, وإذا بصوت مؤثر صرّاخ من داخل المسجد الحرام يتلو قوله تعالى:
" بقية الله خيرُ لكم إن كنتم مؤمنين"
ثم يواصل نداءه فيصيح: أنا بقية الله في أرضه, وتلا ذلك أنطلق في السماء يؤكد: الحق في اتباع قائم آل محمد صلَّ الله عليه وآله وسلم.
غط الجميع في دهشتهم, الظالم والمظلوم رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً. هنا ارتفع صوت آخر يتسم بالشيطنة من زاوية أخرى من العالم يدعو إلى اتباع السفياني, فوقع حشد كبير ضحية الوسوسة والشك في تشخيص الحق بعد سماعهم لهذا الصوت.
وبعد ظهوره عليه السلام توجه مع أنصاره القلائل إلى المدينة, وحيث أن الناس كانوا قد سمعوا مثل هذا الشخص بأنه منقذ البشرية فقد تعجبوا لقلة ناصريه ولم يصدقوا بقدرة مثل هذا الشخص على إنقاذ البشرية, ولما وصل عليه السلام إلى المدينة وصله خبر السفياني بجيش مجهّز نحو المدينة يطلب قتله عليه فيغادر عليه السلام المدينة إلى مكة, غير أن جيش السفياني الذي كان يلاحق الإمام عليه السلام يذهله نداء سماوي فيتعرض للخسف في منطقة البيداء على مقربة من مكة.
واصل أحد شهود العيان سرد القصة فقال:
بعد معرفة أهل العالم بظهور الإمام عليه السلام جاء الشيعة أفواجاً أفواجاً إلى مكة لاعلان البيعة, حتى أن أهل خرا سان جاؤوا لبيعة الإمام عليه السلام تلبية لطلبه, حتى أنطلق عليه السلام بنهضته فتوجه نحو المدينة ومنها إلى الكوفة وبعد مدة قضاها في الكوفة غادر إلى العذراء وفيها التحق بالإمام عليه السلام حشدُ كبير ليتشكل منهم جيش جرار, وهناك التقوا السفياني وما تبقى من فلول جيشه فتقابلت من كل جيش فرقة تقصد القضاء على غريمتها, وكان في جيش الإمام أشخاص من قبيل مالك الأشتر, المقداد, سلمان, عبدالله بن شريك العامري, داود الرقي, وطائفة أخرى من العظماء رجعوا من عالم البرزخ إلى الدنيا لينالوا وسام الجهاد بين يدي الإمام عليه السلام.
بعد فترة وجيزة, انطلقت معركة ضارية كانت نتيجتها النصر لجيش الإمام عليه السلام حيث تعرض السفياني خلال تلك المعركة التاريخية إلى انتقام إلهي قاسٍ لأنهم قد سقوا الأرض من دماء شيعة أهل البيت عليهم السلام ومحبيهم.
ثم توجه عليه السلام إلى تل أفيق لحرب الدجال, وبعد صراع مرير وقع يوم جمعة قضى الإمام عليه السلام على الدجال ومن معه.
أخذ أحد أنصار الإمام المهدي عليه السلام ممن أمضى مدة طويلة في ظل حكومته العادلة, يحدثنا عن خطط الإمام عليه السلام فقال:
من أعماله عليه السلام الانتقام من الظالمين الذين كانوا قد رحلوا عن الدنيا, فقد عادوا إلى الدنيا ونالوا جزاءهم الدنيوي, مثلما رجع بعض الصالحين إلى الدنيا ليتمتعوا بنصرة قائم آل محمد عليه السلام.
وأنا شخصياً شاهدت أثنين من أهل البرزخ كانا قد علَّقا بمشنقة ثم جرى إحياؤهما لتوضّح لهما جرائمهما, وأخيراً اعترفا بخطاياهما فنالا جزاء أعمالهما.
بعد القضاء على أعداء الدين والقسط أصدر عليه السلام أوامره بالإعمار الشامل للعالم فأخرجت الأرض والسماء بركاتها وذخائرها وأخذت تهب نسائم العدل على شرق الأرض وغربها.
وأخيراً تمتع البشر بالمدينة الفاضلة والعالم المزدهر وانتهى زمن القنوط من بلوغ ذلك, وأعظم ما افتخر به هو أنني عشت أياماً في ظل راية باسط العدل في العالم ومن ثم أغمضت عينيَّ عن الدنيا متنعماً باسمه وذكره, ولقد كان وادي السلام رغم سعته يعيش قبل ظهوره عليه السلام وإقامة حكومة العدل فتح أبوابه ليستقبل على الدوام قوافل السعداء الذين كانوا يقطعون صراط البرزخ –أي برهوت- في أقصر مدة.
لقد حكى لنا الذين عاشوا تحت لواء حكومة العدل الإلهي عن عالمٍ مزدهر وحكومةٍ مقتدرة, الحكومة التي ظل نور هدايتها يزهر حتى آخر يوم من عمر البشرية حيث شاء الله أن يرفع بساط الحياة عن الأرض .
.
.
.
أســـــــــأل الله حسن الخـاتمة ..,
.