عرض مشاركة واحدة
قديم 22-10-2008, 07:11 PM   رقم المشاركة : 25
إشراقة أمل
مشرفة داري يؤثثها اختياري وMobily وشاشة عرض
 
الصورة الرمزية إشراقة أمل
 






افتراضي رد: .:][ ألم ذلك الحسين ][:.

15
فرّت الشمس .. توارت خلف الأفق المضمخ بحمرة قانية ، وأشرق القمر دامياً كعين تنتحب .. القبائل ما تزال تعصف بالخيام تضرم فيها النار ، والنار تمدّ ألسنتها كأفواه جائعة أصابها مسّ من الجنون ، فهي تلتهم كل شيء .
الذئاب تعوي .. تفتك بجملان صغيرة خائفة ...
الشياطين تصارع الملائكة .
وصرخات تدوّي :
-لا تدعوا منهم أحداً صغيراً ولا كبيراً .
الذئاب تقتحم خيمة فيها فتى عليل لا يقوى على النهوض ... جرّد الأبرص سيفه .. ما زال متعطشاً للدماء .. استنكر رجل من القبائل :
-أتقتل الصبيان ؟! إنما هو صبي مريض .
-لقد أمر ابن زياد بقتل أولاد الحسين .
وانبرت زينب بشجاعة أبيها :
-لا يُقتل حتى أُقتل دونه .
ونادى منادٍ باقتسام الغنائم ، فتنازعت القبائل الرؤوس ، زلفى إلى ابن زياد حاكم المدينة الغادرة .
ارتفعت رؤوس مقطوعة فوق الرماح . قافلة من العمالقة يتقدمها رأس يبط آخر الأنبياء .. يحمله الأبرص . سبعون رأس أو يزيدون لم تنحنِ لغير الله .. فارتفعت فوق ذرى الرماح .. وكان في مقدمتها رأس آخر الأسباط .
وكان الفتى المريض يجود بنفسه ، فقالت عمته وهي تخترق جدران الزمن :
-ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي ، فوالله إن هذا لعهد من الله إلى جدك وأبيك ، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة الأرض ، وهم معروفون في هل السماوات ، أنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة والأجسام المضرجة فيوارونها ، وينصبون بهذا الطف علماً لقبر أبيك لا يُدرس أثره ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام.وليجتهدُنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وطمسه ، فلا يزداد إلا علوّاً .
منظر السماء والجثث المتناثرة هنا وهناك والسيوف المكسرة والسهام المغروسة في الرمال .. تحكي ملحمة رهيبة سطّرها رجال قهروا الموت ، وفجّروا في قلبه نبع الحياة ، وأماطوا اللثام عن سرّ الخلود .
تقدمت امرأة تعدت الخمسين من العمر إلى جسد تعرفه ، رعتْه صغيراً وراقبته كبيراً وشهدته ممزّقاً بحوافر خيل مجنونة .
جثت زينب عند مصرع آخر الأسباط ، الجسد الممزق ساكن بلا حراك . لقد غادرت الروح التي دوّخت القبائل . دست زينب يديها تحت جسد أخيها .. رفعت بصرها إلى السماء .. إلى الله .. وتمتمت بعينين تفيضان دمعاً :
-تقبلْ منا هذا القربان ... يا إلهي .
وألقت ((سكينة)) بنفسها على جسد أبيها العظيم واعتنقته ، وغمرتها حالة من الاستغراق . كانت تصغي إلى صوت ينبعث من أعماق الرمال .. همهمة سماوية عجيبة تشبه صوت والدها الراحل :
-شيعتي ما إن شربتم عذب ماء فاذكروني .
أو سمعتم بغريب أو شهيد فاندبوني .
لملمت القبائل خزيها .. عارها الأبدي تريد العودة إلى الكوفة .. و((سكينة)) ما تزال تتشبت بالجسد المضمخ بالدم .
هجم الأعراب من القبائل وجرّوها بعنف وراحوا يكعونها برؤوس الرماح حتى استوت على ناقتها .
عشرون امرأة ثكلى ، وفتى عليل ، وأطفال يتامى مذعورون ، هو كل ما غنمته القبائل في أطول يوم في التاريخ . أما الرؤوس فقد راحت تتسابق فيها الخيل بشرى إلى الأرقط حاكم المدينة المشهورة بالغدر .
غادرت القبائل شواطئ الفرات .. تركته وحيداً يتلوى في الصحراء كأفعى حائرة .
وغادر موكب السبايا والعيون الحزينة تتلفت إلى أجساد متناثرة فوق الرمال كنجوم منطفئة .. إلى أن غابت عن البصر ، وساد صمت رهيب ما خلا أنين خافت ينبعث من أعماق الأرض المصبوغة بلون إرجواني .
.
.
لأرواحكـــــم .. تحيــــة بحجم نقـــــائهــا ..,

 

 

 توقيع إشراقة أمل :
"وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد".
إشراقة أمل غير متصل   رد مع اقتباس