14
أزفت ساعة الرحيل .. أجال آخر الأسباط عينيه المتألقتين في الرمال الممتدّة حتى الأفق . نساء وأطفال خرجوا من بين الخيام .. العيون الحزينة تحدق بآخر الرجال .. بآخر خيوط الأمل . هتف الحسين بأعلى صوته .. يخاطب التاريخ والإنسان .
-هل من ذابّ عن حرم رسول الله ؟ هل من موحّد يخاف الله فينا ؟
وامتزجت صرخته بعويل وبكاء .. وانغمست بالدموع .. بالدماء .
نهض فتىً طوّح به المرض .. نهض يجرجر نفسه وسيفه .. يتوكأ على عصا .. فتى ادّخره أبوه ليوم آخر .
هتف الحسين بأخته :
-احبسيه لئلا تخلو الأرض من نسل آل محمد !
كأسراب الغربان طاف الحزن بين الخيام .. جثم على القلوب المقهورة ، وراح ينعق بصوت ينذر باقتراب الكارثة .
وقف الحسين للوداع .. وداع الأرض .. الشمس تغمر الرمال باللهب ، والفرات يجري .. يمعن في الفرار .. والقبائل مجنونة بثارات قديمة .. والريح تدور .. تعدو بعيداً .. مسكونة بالرحيل .. مبهورة بالسفر .. والحسين يرتدي حلّة العروج .. على رأسه عمامة مورّدة ، ملتحف ببردة النبي .. متقلد سيفه .
القبائل تجنّ لمنظره .. تشتعل في أعماقها شهوة الثأر .. تبرق عيونها للأسلاب العظيمة .
طلب الحسين ثياباً لا يرغب بها أحد ، ليضعها تحت حلّته . فقدموا له سروالاً قصيراً فأبعده بطرف سيفه .
-إنه من لباس الذلة .
اختار ثوباً قديماً ، فخرّقه بسيفه ، ولبسه تحت ثيابه .
القبائل تتحفز لقتل آخر الأسباط .. والسبط يودّع الأطفال والنساء .
احتضن طفله الرضيع ، وراح يقبله متمتماً بحسرة :
-بعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدك المصطفى خصمهم .
الشفتان الصغيرتان تبحثان عن قطرة ماء .. والفرات يموج بالمياه .
يتلوّى وسط الصحراء حيّة تسعى . تقدم الحسين يحمل طفله الظامئ :
-ألا قطرة ماء ؟
وينطلق سهم غادر يحمل في نصله الذبح . الطفل يخرج يده الصغيرة من القماط . ما تزال يده ممدودة .. تستفهم التاريخ والإنسان .
الدماء الشّفافة تغمر صدر الحسين .. الأب يملأ كفّه من النافورة الحمراء .. ثم يطوّح بها في السماء . رشاش الدم يصّعد إلى الفضاء .. يخترق الحجب البعيدة .. يخرق قوانين الأرض . همس الحسين :
-هوّن ما نزل بي أنه بعين الله ، اللهم أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس برسولك محمد .
طيف ملائكي يخطف أمامه .. يحمل في جناحيه عبير الفردوس .
-دعه يا حسين فإنّ له مرضعاً في الجنّة .
مثل عاصفة غاضبة هبّ الحسين يمزّق بسيفه القبائل . تساءل النخيل وهو يهزّ سعفاته بإجلال عن رجل وحيد يقاتل الآلاف .
أنا الحسيـن بن عـلـي
صرخ ابن سعد وهو يرى أحلامه تتبدد :
-هذا ابن الأنزع البطين . هذا ابن قتّال العرب .
احملوا عليه من كل جانب . فأطبقت عليه القبائل ، وأمّته آلاف السهام ، وحالت بينه وبين الخيام .
هتف آخر الأسباط :
-يا شيعة آل أبي سفيان !! إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون .
صاح الأبرص :
-ما تقول يابن فاطمة ؟
-أنا الذي أقاتلكم والنساء ليس عليهن جناح ، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حياً .
-لك ذلك .
وقصدته القبائل .. الحسين الظامئ يدمع أمواج الغدر .. يقاتل .. يقاوم .. يحصد رؤوس الذين كفروا . شعر بعطش شديد .. والفرات محاصر بأربعة آلاف أو يزيدون .. الفرات تنثال مياهه على الشطآن ترتاده دوابّ الأرض ... وآخر الأسباط ينشد غرفة واحدة .
الزوبعة تتجه نحو النهر .. تجتثّ في طريقها أشباه الرجال .
قال ابن يغوث – وكان مع القبائل : ما رأيت مكثوراً قط قد قُتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً .. ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا شدّ فيها ، ولم يثبت له أحد .
الحسين يقهر القبائل .. يحتلّ الفرات .. ويقحم فرسه المياه المتدفّقة .. الأمواج تتلألأ في ضوء الشمس . شعر الفرس ببرودة الماء .. حنى رأسه ليشرب .. ليرتوي .
قال قاهر الفرات مخاطباً الفرس ، وكان من جياد خيل النبي :
-أنت عطشان وأنا عطشان فلا أشرب حتى تشرب .
رفع الجواد رأسه .. رفض أن يشرب قبل صاحبه . مدّ الفارس يده ليغرف ، ناداه رجل من القبائل :
-أتلتذّ بالماء وقد هتكت حرمك ..
طوّح السبط بقبضة الماء وانطلق صوب الخيام .. أشرقت الوجوه الخائفة . لقد عاد الأمل .
التفّت حوله صبية ونساء .. تعلقت به . الشمس تجنح نحو الغروب ، والحسين يسافر مع الشمس . ودّع عياله . كشف لهم صفحة من عالم الغد ، وقرأ عليهم سطوراً من دفتر الأيام :
-استعدّوا للبلاء ، واعلموا أن الله تعالى حاميكم وحافظكم وسينجيكم من شرّ الأعداء ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ويعذّب عدوّكم بأنواع العذاب ويعوّضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة . فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم .
افتقد ابنته سكينة .. لم تكن مع المودّعين .. وجدها وحيدة في الخيمة وقد غلب عليها الاستغراق . كانت تفكّر في طريق أبيها العجيب .
صرخ رجل من القبائل وهو يحلم بعبور جثة الحسين :
-اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه .
نفثت القبائل سهاماً مسمومة النبال تخترق الخيام .. وتشك أُزرَ النساء . فرّت النسوة إلى داخل الخيام .. العيون تحدّق بالحسين .. ماذا سيفعل آخر الأسباط ؟
الفارس الذي قدم من الجزيرة على قدر .. يحدّد ساعة الصفر ، ويبدأ الهجوم . التاريخ يركض مبهور الأنفاس .. يتشبّث بركاب الحسين .. والحسين يسبق التاريخ .. يغوص في عوالم بعيدة .. ويبقى التاريخ يقلب كفيه حائراً وسط الرمال .
القبائل تفرّ مذعورة بين يديه ، ووابل النبال يرشقه من كل حدب وصوب ، والحسين يقهر الموت .. يحطّم جدران الزمن .. يتخطى القرون .
الروح العظيمة .. تريد الانطلاق من أهاب الجسد المجرّح .. الجراح المتدفقة كينابيع فوّارة ، تروي الرمال المتوهّجة .. الفرات يمعن في الفرار .. يضنُّ بقطرة ماء .
-يا حسين ! ألا ترى الفرات كأنه بطون الحيّات ؟ فلا تشرب منه حتى تموت عطشاً .
ورماه أبو الحتوف بسهم في جبينه ، فانتزعه . وتدفقت الدماء من جبهته الشّماء .
همس الرجال الوحيد في قلب السماء : اللهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة ، اللهم احصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً ، ولا تغفر لهم أبداً .
ثم هتف بأعلى صوته :
-يا أمّة السوء بئسما خلفتم محمداًَ في عترته . أما إنكم لا تقتلون رجلاً بعدي فتهابون قتله . بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إياي . وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بالشهادة ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون .
عوى ذئب من القبائل :
-وبماذا ينتقم لك منّا يا ابن فاطمة ؟
-يلقي بأسكم ويسفك دماءكم ثم يصبّ عليكم العذاب صبّا .
الجسد الواهن تتسرب منه الدماء .. دماء كثيرة صبغت صعيد الأرض .
توقف السبط ليستريح قليلاً ، فرماه رجل من القبائل المسعورة بحجر ، فانبثقت دماء من جبهته .
أراد الحسين أن يوقف نزف الدم بطرف ثوبه ، فجاءه سهم محددّ له ثلاث شعب . انغرس السهم المثلث في قلب الحسين .. السهم يتشبث بالقلب الجبل .. إنها النهاية .. نهاية الألم .. بداية الرحيل إلى عوالم السلام .
تأوّه الحسين :
-بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ..
ثم رفع وجهه نحو السماء متضرعاً .
-إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري !
السهم يغوص في الجسد الواهن .. يخرج رؤوسه من القفا كالأفاعي .. وتنبعث الدماء غزيرة .. غزيرة . صوت يشبه نشيج الميازيب في مواسم المطر .
الحسين يملأ كفّيه دماً عبيطاً ثم يطوّح به نحو السماء ويهتف :
-هوّن ما نزل بي أنه بعين الله .
الدماء القانية الثائرة تسافر في عالم الأفلاك .. تصبغ النجوم .. تلوّن الآفاق .
مرّة أخرى ، ملأ الحسين كفّيه دماً ، ثم خضب رأسه ولحيته استعداداً للرحيل :
-هكذا ألقى الله .. وجدّي رسول الله .
وأعياه نزف الدم ، فهوى على الأرض كنجم منطفئ .
تقدم ((ابن نسر)) إليه وعيناه تبرقان حقداً ، فضربه بالسيف على رأسه .
تمتم الحسين متألماً :
-لا أكلت بيمينك ولا شربت ، وحشرك الله مع الظالمين .
وأحاطت به القبائل كلاباً مسعورة .. تنهش جسده .
همس الحسين :
-هذا تأويل رؤياي قد جعلها ربّي حقاً ..
ضربه ((زرعة)) على كتفه الأيسر ، ورماه ((ابن نمير)) في حلقه وطعنه ((سنان)) في ترقوته ، ثم في صدره ، ورماه بسهم في نحره .
الكلاب تنهش جسده .. وكان أشدّها الأبقع ... .
العينان الواهنتان فيها بقايا ألق .. يوشك على الرحيل..الحسين يرفع طرفه نحو السماء :
-اللهم متعالي المكان ، عظيم الجبروت ، شديد المحال ، غنيّ عن الخلائق ، عريض الكبرياء ، قادر على ما تشاء ، قريب الرحمة ، صادق الوعد ، سابغ النعمة ، حسن البلاء ، قريب إذا دعيت ، محيط بما خلقت ، أدعوك محتاجاً وأرغب إليك فقيرا ، صبراً على قضائك يا رب لا إله سواك .
الحسين ينوء بنفسه . الروح تتسرب من أفواه الجراح .. تغوص في الرمال .. تبثّها أسراراً توقظ فيها مدناً ثائرة .
ماذا يفعل الفرس ؟ لِمَ يدور حوله ؟ يلطخ ناصيته بدمه .. يشمه .. يصهل بغضب .. ينادي : الظليمة الظليمة من أمّة قتلت ابن بنت نبيها .
صرخ ابن سعد بالقبائل :
-دونكم الفرس فإنه من جياد خيل رسول الله . فدارت به الخيل .. أخذت عليه الطرق . الفرس يقاتل .. يقاوم .. يتحول إلى بركان . وانبهر قائد القبائل :
-دعوه لننظر ما يصنع ..
انطلق الفرس نحو مضارب القافلة ، وهو يصهل عالياً :
-الظليمة .. الظليمة من أمّة قتلت ابن بنت نبيها ...
هبّت نسوة وأطفال .. لقد وقعت الواقعة . صرخت زينب :
-وامحمداه .. وا أبتاه .. واعلياه .. واجعفراه .. واحمزتاه . هذا حسين بالعراء .. صريع بكربلاء .. ليت السماء أطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل !..
عندما وصلت زينب ، كان الحسين يوشك على الرحيل .. يودّع الصحراء ، بعد أن روّاها بدمه .
القبائل مفتونة .. تدور حول آخر الأسباط .. وقد زلزلت الأرض زلزالها . ماذا بوسع زينب أن تفعل . الحسين يجود بنفسه .. لقد تمزق جسده .. وما تزال الروح هي هي .. شديدة البأس . زينب تحاول إيقاظ بقايا الإنسان في زعيم القبائل .. هتفت بلوعة :
-أي عمر ! أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه !!
لقد مات الإنسان في داخله ...
أهاب بالقبائل لإسدال الفصل الأخير :
-أنزلوا إليه وأريحوه .
-صرخت زينب :
-أما فيكم مسلم ؟!
ولا من جواب . لقد مات الإنسان في عصر الذئاب والليل والعواء .
-انزلوا إليه وأريحوه .
كان الأبرص ينتظر الإشارة بلهفة . التمعت عيناه بوحشية ، وهو يرفس جسد الحسين الممزّق .. جلس على صدره . الأبقعُ ينهش جسد السبط .. يقبض على شيبته .. ويهوي بسيف غادر على رأسه . ينفصل الرأس عن الجسد .. القبائل تموج مأخوذة بهول ما يجري فوق الرمال ...
الجسد ساكن بلا حراك . الكلاب تنهش .. تنهش الجسد الدامي .
ويرتفع رأس ابن النبي فوق رمح طويل .. يتطلع إلى آخر الدنيا ، ويقرأ سورة الكهف .
انطفأت الشمس .. ومطرت السماء دماً عبيطاً ، وبدا الأفق الغربي شديد الحمرة كجراح نازفة .
وعصفت القبائل المسعورة بالخيام .. فأشعلت فيها النار . وفرّت النسوة والأطفال .. هاموا على وجوههم في الرمال .
وانبرت عشرة خيول مجنونة .. خيول اعتادت السلّب والنهب والغارات .. تعوّدت سحق ورود البنفسج وبقر بطون الأطفال ... اهتزّت الأرض تحت سنابك الخيل وهي تمزّق صدر الحسين .. وفاحت من الجسد قبلات محمد والزهراء ، ملأت الفضاء وامتزجت مع ذرات رمال الصحراء .. والتاريخ .
النار المجنونة تلتهم الخيام .. وصراخ الأطفال يملأ الدنيا ... والذئاب تعوي بقسوة ... والليل شديد الظلمة .. والريح تذرو الرمال .. تغطّي الأجساد العارية بغبرة خفيفة .. والقبائل تنهب وتسلب .. والفرات يمعن في الفرار .. ورأس الحسين فوق رمح طويل .. ينظر إلى آخر الدنيا .. إلى قوافل قادمة من رحم الأيام .