عرض مشاركة واحدة
قديم 19-10-2008, 07:53 PM   رقم المشاركة : 19
إشراقة أمل
مشرفة داري يؤثثها اختياري وMobily وشاشة عرض
 
الصورة الرمزية إشراقة أمل
 






افتراضي رد: .:][ ألم ذلك الحسين ][:.

12
نسور مجنونة تحوم في السماء ، وريح عاصف تهب من ناحية الصحراء ، وبدت أشجار النخيل كرماح مركوزة في خاصرات الفرات .
بدا الجوّ مشحوناً بالخطر ، ومثلما تندلع الصواعق بين أكوام السحب ، تدفقت سهام مجنونة تحمل في أنصالها الموت .
هتف الحسين بأنصاره :
-قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابدّ منه ، فإن هذه السهام رسل القوم إليكم .
هبّت رجال كانوا ينتظرون على أحرّ من الجمر .
كيف أصبح الموت أمنية لهم ؟. كيف أضحى في نظرهم خلوداً .. كيف تحولت الصحراء الملتهبة إلى جنات تجري من تحتها الأنهار .
غاص الرجال في أحراش كثيفة من رماح وسيوف . كانوا يقاتلون بضراوة لا نظير لها . أكما لو كانوا يريدون توجيه مسار التاريخ الاتجاه الذي ينشدون .
امتلأ الجوّ غباراً ودخاناً ، وكانت السيوف تهوي كبروق مشتعلة ، وعندما غادر الغبار أرض المعركة ، كان هناك خمسون صريعاً يعالجون جراحاتهم في الرمضاء .. الجراح تسقي الأرض .. والدماء تروي شجرة الحريّة .. شجرة أصلها ثابت في أعماق التراب ، وفرعها في هامة السماء .
تمتم الحسين متألماً :
-اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً ، واشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة ، واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه ، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم ... أما والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله وأنا مخضب بدمي .
هجم الأبرص على إحدى الخيام ، وقد اشتعلت في عينيه شهوة النهب ، وهاج شيطان يعربد في أعماقه :
-عليَّ بالنار لأحرقه على أهله ... .
القلوب الصغيرة الخائفة فرّت مذعورة من الخيمة كطيور هاربة من سفن بعيدة غرقت .
صاح الحسين :
-يابن ذي الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي .. أحرقك الله بالنار .
واستنكر شبث بن ربعي الحضيض الذي وصل إليه رفيقه .
-أمرعباً للنساء صرت ؟! ما رأيت مقالاً أسوأ من مقالك ، ولا موقفاً أقبح من موقفك ...
وتمتم وهو يعضّ على يده :
-قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين ، ثم عدونا على ولده – وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية ! ... ضلال ... يا لك من ضلال !!
توسطت الشمس كبد السماء ، والقبائل تتخطف القافلة ...
التفت ((أبو ثمامة الصائدي)) إلى الحسين . قال بخشوع :
-نفسي لك الفداء . إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك . لا والله لا تقتل حتى أُقتل دونك . وأحب أن ألقى الله وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها .
رفع الحسين رأسه إلى السماء وألقى نظرة على الشمس :
-ذكرت الصلاة .. جعلك الله من المصلّين الذاكرين ، نعم هذا أول وقتها ...
وأردف وهو يجفف حبّات عرق تلتمع فوق جبينه :
-سلوهم أن يكفّوا عنا حتى نصلّي .
هتف ابن نمير وكان فظاً غليظ القلب :
-إنها لا تقبل !
أجاب حبيب بن مظاهر غاضباً :
-زعمت أنها لا تقبل من آل الرسول وتقبل منك يا حمار !
عربد الشيطان في أعماق ((ابن نمير)) ، فأقحم الفرس نحو ((حبيب)) وحبيب واقف كالجبل لم يكترث بالجموع وهي تنحدر نحوه . وتخطفته سيوف القبائل ... وانسابت دماؤه قانية فوق رمال الصحراء تروي لها أروع قصص الوفاء والتضحية والفداء .
واسترجع الحسين كثيراً :
-عند الله أحستب نفسي وحماة أصحابي .
القبائل تموج كأنها ريح صفراء تحمل في طياتها الموت ، والحسين وسط الإعصار يصلّي بأصحابه الصلاة الأخيرة .. السماء تفتح أبوابها للقافلة القادمة ، والفضاء يزخر بأجنحة الملائكة .. ونسائم طيبة تحمل رائحة الربيع .. ربيع جنّات الفردوس .
التفت الحسين إلى أصحابه وهو يشير إلى مسار القافلة :
-يا كرام هذه الجنّة قد فتحت أبوابها ، واتصلت أنهارها ، وأينعت ثمارها ، وهذا رسول الله ، والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله يتوقّعون قدومكم ويتباشرون بكم ، فحاموا عن دين الله ، ودين نبيّه وذبّوا عن حرم الرسول ...
القافلة التي اكتشفت ينابيع الخلد تهبّ للخطى الأخيرة :
-نفوسنا لنفسك الفداء ، ودماؤنا لدمك الوقاء . فوالله لا يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا عرق يضرب .
السماء تفتح أبوابها ، والرجال يعرجون . تقدم ((أبو ثمامة)) إلى المعراج ، وما أسرع أن حلّق إلى السماوات مخلِّفاً وراءه برْكة من دماء قانية .
ومن بعده انطلق ((زهير)) . وضع يده فوق منكب الحسين ، وأنشد :
أقدم هديـت هاديــاً مهديــاً
فـاليـوم ألقـى جـدّك النبيّــا

وحسنــاً والمرتضــى عليــاً
وذا الجنـاحـين الفتى الكميّــا

وأسـد الله الشهيــد الحيّــا
-وأنا ألقاهما على أثرك .
وما أسرع أن لحق برفاقه . القافلة تطوي السماوات .. تتخطى الكواكب والأفلاك .. في عروج ملكوتي فريد .
وقف الحسين عند مصرعه ، وقال متأثراً :
-لا يبعدنك الله يا زهير ولعن قاتليك لعْن الذين مسخوا قردة وخنازير .
واستعد ((نافع الجملي)) للرحيل ، فغاص في أعماق القبائل وانهمرت عليه الحجارة من كل صوب ، فتهشم عضداه ، وسيق أسيراً . كانت الدماء تنزف منه ، وقد صبغته بحمرتها المشتعلة . قال ابن سعد بلهجة ينمّ منها الإعجاب ببسالته :
-ما حملك على ما صنعت بنفسك ؟!
إن ربي يعلم ما أردت .
-أما ترى ما بك ؟!
-والله لقد قتلتُ منكم اثني عشر سوى من جرحت ، وما ألوم نفسي على الجهد .. ولو بقيت لي عضد ما أسرتموني .
جرّد الأبرص سيفه وقد برقت عيناه حقداً .. فقال نافع بطمأنينة :
-والله يا شمر لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا ... فالحمد لله الذي جعل منايانا على أيدي شرار خلقه ... .
هوى السيف بقسوة ، وتدحرج الرأس فوق الرمال ، وعيناه تنظران باتجاه عوالم لا نهائية ، وقد ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتين ذابلتين من الظمأ .
ونادى رجل من القبائل :
-يا برير ، كيف ترى صنع الله بك ؟
أجاب برير وهو ينظر إلى ما وراء غبار الزمان :
-صنع بي خيراً وصنع بك شرّاً .
-كذبت وقبل اليوم ما كنت كذابا . أتذكر يوم كنت أماشيك في ((بني لوذان)) وأنت تقول : كان معاوية ضالاً وإن إمام الهدى علي بن أبي طالب ؟
-بلى أشهد أن هذا رأيي .
-وأنا أشهد أنك من الضالّين .
-تعال نبتهل إلى الله فيلعن الكاذبَ منا ويقتله .
توجهت أيد مع قلوب إلى السماء تستمد النصر ، وارتفعت أيد جذّاء . فتقبِّل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر . وبدأت المنازلة ... هوى برير بسيف يشبه صاعقة مدمّرة .. فهوى الرجل الذي حاقت به اللعنة إلى الأرض كأنما خرّ من شاهق .

 

 

 توقيع إشراقة أمل :
"وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد".
إشراقة أمل غير متصل   رد مع اقتباس