لم تجد عيناها إلى النوم سبيلاً هذه الليلة ، ربما أكثرت من شرب القهوة عصر اليوم ،
غادرت علياء سريرها وجلست إلى جهاز الحاسوب ، أجرت اتصالاً بالإنترنت وأخذت
كعادتها تتصفح بعض الدوريات المحببة إليها ،وأثناء ذلك تفقدت بريدها ،فإذا مربع حوار
يبرز فجأة أمامها ،شخص ما ، اسم لاتعرفه ، يبلغها أنه أضافها إلى جهات اتصاله وينتظر
إذنها ،ترددت ، من هذا الطارق بابها ، المخرق كل حجبها ؟!، هي لم تعتد على محادثة
الغرباء، ولكن شيئاً ما يدفعها ،ربما كان الفضول ،تنظر من جديد إلى الشاشة أمامها ،
ماذا لو ......؟تصورت أنه واقف هناك ينتظرها ، وأخذت الأصوات تناديها من داخلها،
فتقدم ثم تحجم ،فهي (وقور وريعان الصبا يستفزها )،وجدت نفسها أخيراً تضغط (موافق )
وما كادت تفعل حتى فاجأها المربع الصغير برسالة : مساء الخير سمر .
ترددت ثانية ، وأخذت تتساءل ترى من يكون ؟ أو ربما من تكون ؟ من يدري ؟
ولكن من يعرف أنها تسمي نفسها سمر ؟ أعاد التحية مرة أخرى مساء الخير سمر،
ردت : من المتحدث ؟
- ألا تردين التحية ؟ أنا ماجد .
- وكيف عرفت بريدي هل أنت تعرفني ؟
- أخشى ألا تصدقيني إن أنا أخبرتك ،
- جرب ،ربما تقنعني ،
- أنا لا أعرفك ، هل تصدقين إن قلت لك أنني اخترعت بريدك وحاولت فنجحت ؟
- غريب ،
- أرأيت ؟قلت لك بأنك لن تصدقي ، هل أقسم لك ؟
- تقسم أو لا تقسم ، هذا لايشكل فرقاً كبيراً.
- هل لي أن أسالك عن اسمك ؟
- ألم تنادني به منذ برهة ؟ّ!
- أهو اسمك فعلاً ؟
- ربما ،وربما اخترعته أنا كما اخترعته أنت .
- سأناديك به على أي حال . وسوف أبدا حديثي بتكرار تحيتي،
مساء الخير.
- مساء أم صباح ؟ تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل !
- أحياناً يتساوى عندي المساء والصباح.
- أتشاؤم أم فلسفة ؟
- ألاترين أن النور و الظلام كلاهما ينبعثان من نفس الإنسان ،
وتتحكم بهما إرادة الإنسان ؟
- خاطرة يستحق التفكير . لكن من لطف الله بنا أن جعل النور و الظلام
يتعاقبان علينا ، وكما قيل بأضدادها تعرف الأشياء .
- هذا يعني أنك ترين في الليل فرصة فقط لا ستشعار نعمة النهار ؟
- هذا قليل من كثير ...
- هل تأذنين أن تجول في فكرك ؛ فأسألك ماذا يعني لك الليل والظلام ؟
- أجد في الليل هروباً من ضجيج النهار ، وفرصة ألتقي فيها مع نفسي
وخواطري وأفكاري وحواراتي .
- هلا أفصحت ؟
- كاد الليل أن ينقضي ، وأود حقيقة أن أخلو بنفسي ، فبل أن يتنفس الصبح .
- إذا فقد أدرك شهرزاد الصباح .
- قد أوشك .
- هل من وعد بتكرار الحوار ؟
- لا أعد بشيء .قد لا أعود .
- وإن رجوتك أن تفعلي ؟ أشعر أن بيننا توافقاً في الرؤى ، عديني بمواصلة الحوار غداً.
- غداً؟ ترى ماذا يخفي غد ؟ من يدري ؟
تعبت أمها وهي تحاول إيقاظها ضحى ذلك اليوم ، كانت مرهقة طوال النهار ،ومحادثتها
ليلة أمس تارة تشيع في نفسها البهجة ، وأخرى تثير فيها التوجس والريبة ،ترى من هذا الغريب
الذي حاورها ؟ وماذا وراءه ؟ ترى كيف هو شكله ؟ ولكن ماذا لو كان شخصاً يعرفها ، ربما
كانت إحدى صديقاتها تمازحها ، ربما كل شيء ممكن ، كم من قصة سمعت !
مكثت أياماً كلما اقتربت من الجهاز ترددت وتراجعت ، تفكر ،لا بد أنه يحاول أن يجدها ؛
بل لابد أنه كتب لها فيضاً من الرسائل ،تصوره عواطفها يجلس أمام جهازه حزيناً يفتقدها ،
ويفتقد حديثها ، تتخذ لنفسها أعذاراً شتى ، وتقترب من الجهاز ، ثم يصوره عقلها يهزأ بها وبحديثها ،
فترجع ، إنها مغامرة غير محسوبة النتائج ، وهي أعقل من أن تورط نفسها ، وهكذا بقيت عدة أيام
في تردد، حتى كان يوم جاءتها فيه أمها والبشاشة مرتسمة على وجهها ، تخبرها أن أحد أصدقاء والدها سيأتي مساء اليوم مع أسرته لطلب يدها لولده، تضاربت مشاعرها ، هذا يوم حلمت به
كثيراً ، ولكن ماجد ؟ ومن ماجد ؟ وما أدراني إن كان ماجد شاباً أم شيخاً ، بل ماأدراني عن كان
رجلاً أو امرأة ، ثم شغلها أمر الخاطب الجديد فأراحها من التفكير بالحوار وصاحبه .
في غصون أيام قليلة تم عقد قرانها على أيمن .
وكان أول عمل تقوم به بعد عقد قرانها هو التخلص من ذكرى محادثة تلك الليلة ،ومسحها
من الجهاز لعل الأيام القادمة تمسح آثارها من فكرها وقلبها .
مسحتها دون تردد ، تفقدت بريدها ، وتعجبت لم يرسل ماجد لها أية رسالة ، قالت في نفسها
هذا أفضل ، هي لم تكن لترد عليه بعد أن أصبحت زوجة لأيمن ، لكنها مع ذلك لم يعجبها أنه لم
يرسل لها شيئاً . لابأس هذا سيساعدها على النسيان سريعاً ، ومنعاً لأية محاولة جديدة من قبل
مـــاجد قامت بإلغاء بريدها تماماً . تمنت فعلاً لو أنها تدخل في حوار معه لكان ذلك أسلم لقلبها .
وسط مشاركة الأهل والأحبة زفت علياء إلى زوجها ، وكانت سعادتها عظيمة ، فقد رأت
فيه مثالاً للرجل العاقل الودود ، ونما الحب بسرعة بين العروسين وظلل أسرتهما الصغيرة جو
من الألفة والمودة .
ذات ليلة ، دخلت علياء على زوجها في غرفة مكتبه وهو يجلس أمام جهاز الحاسوب ،
قالت مداعبة :ماذا يفعل زوجي الحبيب ؟
تلعثم قليلا ثم قال: أفتح بريداً جديداً مشتركاً لنا فما رأيك ؟
قالت وقد هربت خواطرها إلى تلك الليلة مجدداً ، بريد مشترك ؟ أنها فكرة رائعة ،
قال أيمن وهو يحاول إبعادها بلباقة : هل تتكرمين بإعداد القهوة لنا ياعزيزتي ؟
قالت حباً وكرامة .
أخذ أيمن يحمد الله تعالى كثيراً على أن عروسه لم تلمح الشاشة أمامه ، ماذا سيقول
لها لو رأت الحوار على الشاشة ؟ هل كانت ستصدق أن سـمـر هي فتاة لايعرف
عنها شيئاً ، وانه حاورها مرة واحدة فقط في ليلة مسه فيها الأرق ، وأن ذلك كان قبل
عزم أهله على خطبتها له بيوم واحد ، وانه مافتح جهازه الليلة إلا ليمسح تلك المحادثة
ويتخلص من ذكراها ....؟!!