المقال الأخير لإدوارد سعيد
(1/3)
إن أفضل ما نفعله من أجل روح المفكر و المناضل العربي الفلسطيني إدوارد سعيد هو أن نخدم أفكاره و نعمل بمزيد من الجد و الحماس من أجل قضيتنا المشتركة . و لقد قررت على المستوى الشخصي أن أحيل حزني الشخصي و محبتي الكبيرة لهذا الفارس النبيل الذي ترجل اليوم إلى عمل .
سوف أعكف خلال الأيام القادمة عن شاء الله على ترجمة و تلخيص بعض أعمال الفقيد الفكرية الأخيرة و مقالاته في الأهرام ويكلي ، و سأبدأ اليوم بمقالة الفقيد في العدد 652 الفترة من 21-27 أغسطس 2003 . و المقالة ملخصة بما لا يحجب المقاطع الهامة ،و بما يشمل كافة الأفكار الرئيسية .
في الأيام الأخيرة من شهر يوليو تخلى النائب الجمهوري ( توم ديلاي ) من تكساس ، و قائد الأغلبية في مجلس النواب ، عن أراءه حول خريطة الطريق و مستقبل السلام في الشرق الأوسط . كان ما يقوله النائب هو تصريح يعبر عن نتائج رحلة روتينية له لإسرائيل و بعض دول الشرق الأوسط ، و في تعبير جازم أعلن النائب عن تخليه عن تأييد خطة بوش ( خريطة الطريق ) خاصة الجزء الذي يتحدث عن دولة فلسطينية واصفا تلك الدولة بكونها دولة إرهابية لا محالة . لقد عبر النائب عن اعتقاده أن إسرائيل بحق هي نموذج ( الصهيونية المسيحية ) التي يؤمن بها ، هذا التعبير الكريه المرتبط ليس فقط بجرائم إسرائيل بل أيضا بحقها الديني في صنع ما تريد بصرف النظر عن معاناة عدة ملايين من هؤلاء الموصومون بالإرهاب !.
هناك لا أقل من 60إلى 70 مليون أمريكي في الغرب الجنوبي يشاركون النائب ديلاي أفكاره بينهم رجل مثل جورج بوش الابن الذي بوصفه مسيحيا مولودا من جديد يؤمن بالتوراة حرفيا .إن بوش هو زعيمهم و يعتمد على أصواتهم في انتخابات الرئاسة لعام 2004 و التي لن يكسبها بوش ( كما يعتقد إدوارد سعيد ) .
بسبب سياسات بوش الكارثية سواء داخل أو خارج الولايات المتحدة يحاول بوش الحصول على مزيد من أصوات اليمين المسيحي خاصة من الوسط الغربي . إن هذا اليمين المسيحي بالتعاون مع اليمين الجديد الممالئ لإسرائيل يسيطر الآن على السياسات الداخلية ،و يجب أن نعي جيدا أن المشكلة الفلسطينية الإسرائيلية ينظر إليها في أمريكا كشأن داخلي !!.
يمكننا أن نرى أن ما يقوله ديلاي مجرد هراء لمتعصب مسيحي و لكننا لا يجب أن نغفل أن تلك اللغة هي قوة لا يمكن معارضتها بسهولة في أمريكا . فمن المعروف أن النائب العام جون أشكروفت يبدأ اجتماعات العمل دائما بالصلاة ، وهذا شيء لا يتعارض مع الدستور ،و لكن ديلاي يذهب أبعد من ذلك عندما يصف جنسا بأكمله انه إرهابي مما يعني أنه معادي للبشرية طبقا للمفهوم الأمريكي ،و أن ذلك يعني إحباط جهود هذا الشعب في الاستقلال و زيادة معاناة شعب بأكمله .
كي نفهم هذا الموقف : علينا أن نتأمل هذا الرجل الذي ينطلق من الغطرسة و من مسافة 10 ألف ميل من فلسطين يصف شعبا بأكمله لا يعرف عنه شيئا -مثل رجل يعيش في القمر -بأنه إرهابي ، مسببا لهم سنوات إضافية من المعاناة و الظلم و القهر ، لأنه يعتقد أن ذلك هو معتقده في الصهيونية المسيحية و التي لا يؤيدها أي منطق حقيقي .
إن ما يصدم في تصريحات ديلاي ليس فقط عدم مسئوليتها و عدم تحضرها ، و مقدار الظلم الذي تلحقه بآلاف من البشر الذين لم يسببوا له أي شر ،و لكن أيضا لأن تلك التصريحات الفجة و المخادعة تشترك في عدائها للعرب و المسلمين مع التصريحات الرسمية السائدة في واشنطن منذ حوادث 11 سبتمبر .
إن هناك خطاب بالغ التجريد و السوء ضد العرب و المسلمين يتزعمه بوش نفسه يتراوح من محور الشر و الحرب ضد الشر ، و الدعوة لغزو هذا و تدمير ذاك ، مما دفع بالخطاب الأمريكي الرسمي لمستوى جديد من الكراهية غير المسبوقة و بلا سند حقيقي . إن هذا الخطاب الداخلي يناقض تماما تصريحات بوش للعالم الخارجي ليكون براجماتيا و متحضرا و عقلانيا و يحارب التطرف !. فهل هذا الطريق المتناقض هو ما يؤسس النقاش الحضاري و القيم الديمقراطية ، بما في ذلك فكرة الديمقراطية ذاتها !؟.
منذ منتصف القرن 19 ، هناك صيغة أو تيمة مشتركة بين كل المستشرقين حول عجز اللغة العربية و بالتالي العقل العربي في التعامل مع الواقع ،و هناك أعداد كبيرة من العرب وقعت في هذا الفخ العنصري .( تعليق لبهجت ..هناك البعض الذي يكررون هذه المقولات في تكرار مضحك دون أن يقرءوا شيئا حتى من كتب المستشرقين ، و يمكن لمن يريد التأكد مراجعة موضوع الشعر العربي في ساحة الفكر الحر أخيرا ، فباستثناء النموذج الذي قدمه إسماعيل و رد العلماني يؤكد المشاركون تحليل إدوارد سعيد عن الفخ العنصري !) . إنهم في ذلك يفترضون أن اللغة مثل العربية أو الصينية أو الإنجليزية تعبر عن عقليات مستخدميها !.إن هذه الفكرة استخدمت كجزء من ترسانة الأسلحة الأيديولوجية لتبرير القهر الاستعماري : الزنوج لا يستطيعون التكلم بشكل صحيح لهذا يجب استعبادهم طبقا لتوماس كارليل ، الصينية لغة معقدة و هكذا فالصيني سواء رجل أو امرأة هو عنصر دوني طبقا لأرنست رينان . مثل هذه الأفكار لا يأخذها الآن أحد مأخذ الجد سوى فيما يخص العرب و العربية !.
منذ سنوات قليلة ماضية كتب فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية و كتاب ( نهاية التاريخ ) أن وزارة الخارجية الأمريكية تخلصت من متحدثي العربية و المستعربين لأنهم بتعلمهم العربية تعلموا الخداع العربي !.إن كل متفلسف اليوم في أي قرية في الإعلام الأمريكي بما في ذلك كاتب أعمدة مثل توماس فريدمان ، يثرثر حول نفس الموضوع . و البعض يحاول بأسلوبه المتعلمن أن يتحدث بأن من جوانب الخداع العربي الأسطورة التي يحيكها العرب عن أنفسهم كشعب !. طبقا لما يقوله مثل فريدمان و فؤاد عجمي فالعرب هم مجرد متشردون ، مجرد قبائل و أعلام ، و هم مخادعون سواء كحضارة أو كشعوب . يؤكد إدوارد سعيد أن ذلك خداع استشراقي هيلكوستي ، مثلما كان الشعار الصهيوني بأن فلسطين بلا شعب مجرد خداع . و ليس هناك ضرورة بأن نشير أن ذلك كله مجرد افتراضات انطلاقا من الخوف و الجهل .