محمد شاهين: ظاهرة لن تتكرر في حياة أمته
الحياة 2003/09/26
<span style='color:teal'>"هل تعلم ان صاحب هذا الكتاب (بدايات) الذي أنا بصدد مراجعة له في الملحق الأدبي لصحيفة "التايمز" سيكون من أبرز المفكرين في القرن العشرين".
هذه العبارة قالها لي استاذي توني تانر في كلية كنغز في جامعة كيمبردج وهو من أشد المعجبين بادوارد سعيد، وقد نشأت بينهما صداقة حميمة، وفي كل مرة كنت ألتقي به لا يطيب له الحديث إلا عن ادوارد. صدقت النبوءة طبعاً، واكثر، وجاء بعده "الاستشراق" واصبح اسم ادوارد علماً في العالم. قابلته للمرة الأولى في حزيران (يونيو) 1983 عندما حضر الى اكسفورد لتقديم محاضرات عن اجتياح اسرائيل أراضي لبنان، وقال قولته المشهورة: دخول اسرائيل لبنان أو أي تحرش هو تكتيك معروف، هدفه الأول والأخير تحويل الأنظار عن القضية الرئيسية. للمرة الأولى في حياتي أرى حضوراً يتكون من اساتذة جامعات واعضاء برلمان ومفكرين من كل أرجاء بريطانيا يقفون على مدرج سانت كاترين ويصفقون قبل بداية المحاضرة وبعدها مثل هذا التصفيق الحاد.
في صيف ذلك العام قابلت ادوارد في جامعة كولومبيا ودعاني للغداء في مطعم يوناني. ما زلت أذكر هدوءه السرمدي وهو يحمل غليوناً فارغاً من التبغ ويتناول الطعام بكل اعتدال، ويتحدث بعمق آسر. قضيت وقتاً بعد الغداء في مكتبه وتحدثنا في أمور كثيرة أذكر منها ان أمنيته ان ينعزل ويكتب رواية، وانه يفضل هذا المشروع على أي مشروع آخر. وعندما قدم الي كتابه "بدايات" وشّحه بالعبارة التالية: "بداية لصداقة أبدية". وهكذا صدقت العبارة وبقينا أصدقاء وكان في النية ان نذهب سوياً الى عُمان في خريف هذا العام، اذ دعته وزارة الأوقاف وتعهدت ان تقوم بكل ما يلزم من توفير طاقم طبي وعناية خاصة الى آخر ذلك من سخاء لم أعهده من قبل. كان جوابه لي: ان بقيت على قيد الحياة، فالزيارة حاصلة. وبعد، فهذه سخرية الأقدار، يلبي الموت هاجس صاحبه ويحرم العالم بأكمله من نوره الذي شع على الدنيا بأسرها.
ادوارد ظاهرة لن تتكرر في حياة الأمة التي ينتمي اليها، في تموز (يوليو) من هذا الصيف كنت أتناول العشاء مع رئيس كلية كنغز واساتذتها، وهي الكلية التي كان لها الشرف بأن يقضي فيها زمالة في مثل هذا الوقت من العام الماضي، قال لي الرئيس تحت سقف هذه القاعة تناولنا الطعام مع ادوارد سعيد، اشار استاذ آخر الى الكرسي الذي كان يجلس عليه.
أما استـاذ الانثروبولوجيـا جيـمز فقال لي انه تحدث مع ادوارد في تلك القاعة وقال له انه اكتشف حسنات الصمود في أمته من خلال اختلاطه ببني قومه الصامدين في أقاصي الأمازون - المكان الذي كان يعمل فيه أبحاثه ودراساته قبل اعوام عدة. وما زالت كلمات حارس كلية كينغز ترن في أذني، اذ سألني هل استطيع ان اجيبه عن سؤاله وهو: من أين لأدوارد سعيد كل هذا العقل الجبار؟
قال لي ريموند وليامز استاذي وصديق ادوارد الحميم انه لا يعرف فرداً استطاع بمفرده ان يثبت قضية أمته وشعبه على خريطة العالم الى الأبد غير ادوارد، انه هبة الحق في كل مكان. اما جورج شتاينر استاذ الأدب الحديث في جامعة جنيف فقال ان ادوارد نص مفتوح على العالم. وذكر جون بيلي استاذ الأدب الانكليزي في جامعة اكسفورد ان ادوارد سعيد قدم الى العالم لغة انكليزية جديدة.
ان من اصعب الأمور على من يُطلب منه تقديم الوفاء أو العزاء في هذه الفاجعة ان يختزل حجم اسطورة العطاء العظيمة في كلمات قليلة لا تفي الرجل العظيم جزءاً من حقه. ان ما يعزي المرء في هذه المناسبة انه ترك وراءه رصيداً حضارياً وثقافياً سيشغل اصحاب الفكر سنوات قادمة بعدما شغلهم عقوداً طويلة وسيظل ادوارد نبراساً لأمته.
هاتفني بعد عودته مباشرة من بريطانيا الى منزله في نيويورك وكان قد وصل لتوه. سألته عن صحته فقال لا تسألني عن صحتي اسألني ماذا سيحصل في العراق وفي المنطقة بأكملها، وكان هذا قبل شهور من دخول الحلفاء العراق. ثم أردف قائلاً ان اميركا لا تتحدث عن الحرب، بل عن كيفية القيام بالحرب. كل ما سمعته منه عن العراق وغير العراق كان نبوءة قبل الأوان. كان رحمه الله عارفاً وعرّافاً بأسرار هذا العالم الذي نتخبط بالعيش فيه، كان معطاء في ميادين المعرفة، عزاؤنا الوحيد ما خلّف لنا من ثروة فكرية ستؤتي أكلها مع الزمن.</span>
،،،،،،،،،،،،،
جلال أمين: عطف المثقفين
الحياة 2003/09/26
الخسارة في فقد ادوارد سعيد شخصية وقومية وانسانية. شخصية لأنني عرفته فوجدته صديقاً حميماً رقيق المشاعر وصادقاً في التعبير عنها. وهي خسارة قومية لأنني لا أعرف رجلاً أو امرأة كسب لقضية الفلسطينيين عطف المثقفين في مختلف انحاء العالم الذين يتكلمون ويقرأون بمختلف اللغات، أكثر مما كسبه إدوارد سعيد لهذه القضية.
وهي خسارة إنسانية لأنه استطاع ان يستخلص من القضايا الفردية والقومية معاني انسانية واخلاقية يستجيب لها عقل قارئه وقلبه او المستمع اليه بصرف النظر عن انتماءاته الشخصية والقومية.
ولكن مع كل هذا أغبطه على أنه نال بالضبط النهاية التي كان يتمناها، ظل يكتب ويخطب، ويكتب ويخطب، مدفوعاً بشعور دائم بالواجب والمسؤولية حتى آخر لحظة يمكن أن تكون فيها الكتابة أو الخطابة ممكنة. وعندئذ فقط استجاب لحتمية الموت، تاركاً لنا ثروة لا تنضب، وتكفي لإثارة التعاطف والحب لعشرات من السنين.
.
.