نجيب محفوظ: خسارة النقد والقضية
الحياة 2003/09/26
<span style='color:indigo'>عندما أبلغت "الحياة" الكاتب الكبير نجيب محفوظ مساء أمس بخبر وفاة إدوارد سعيد تلقاه بانزعاج شديد، وقال أنه على رغم عدم معرفته الراحل شخصياً إلا أنه يعتبر وفاته خسارة فادحة ليس فقط للنقد الأدبي بل أيضاً للقضية الفلسطينية التي كانت رؤية الراحل الموضوعية ازاءها تحظى باحترام كبير في كل مكان في العالم.</span>
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
عبدالله الغذامي: ضمير المثقف الإنساني
الحياة 2003/09/26
رجل بحجم امة، حمل على كفه ضمير المثقف العالمي الإنساني، وتحدى اعتى الظروف والعقبات، وأطل برأسه العملاق في عقر دار الرأسمالية والسلطوية والنفوذ المتعالي، في نيويورك، جاء وهو الفلسطيني الهارب من الجحيم ومن رحم المآسي، وكافح من اجل الضمير الإنساني ليعطي مثالاً للبشرية كلها بأن العقل قوة وقدرة وشجاعة، وأن سلاح العقل لا يقهره احد. ولقد مثل ادوارد سعيد العقل الإنساني بأقصى قدراته وبأشد تجلياته وأوضحها كنموذج للعالم الثالث ومثقفيه وكرمز للمواجهة والتحدي، وأثبت ان الإنسان المفرد الذي لا يملك اسلحة نووية ولا يملك اموالاً ووجاهات يستطيع ان يتحدى ويواجه، إذا سخر عقله وضميره، ونقى هذا الضمير من الخوف ومن الطمع، ومن هنا كان ادوارد سعيد اكبر من كل القوى وأخطر من كل التحديات، وما جاء في محاضرة في اميركا إلا وكان المتظاهرون ضده والمحتجون عليه اضعاف المستمعين إليه، ولم يجعله هذا يخاف او يتراجع بل انه مضى بثقة وبعزم لا يقهر، ولذا راح يكتب تاريخاً للضمير البشري ينكتب في عيني كل معارض وعلى جبهة ممثلي المؤسسة الإمبريالية عبر كراهيتهم لصوته ولصورته واحتجاجهم على وجوده، وكل ذلك كان رصيداً لمصلحة سعيد ومصلحة ما يمثله من قضايا إنسانية في التحرر والعدالة، ولقد كان خصومه هم من يكتبون النصر لما يقول من دون ان يعلموا بذلك، وكلما اشتدت مقاومتهم له اشتد عوده وزادت رمزيته.
إدوارد سعيد هو خلاصة رمزية لكل انسان ذي ضمير حي ولكل مضطهد ولكل عقل حر. وموته يجب ان يكون حفزاً لنا لكي نتعلم من تجربته في المقاومة وفي المعارضة والمواجهة، إنها درس في العمل وفي السلوك، ونموذج لما يجب ان يكون عليه كل مثقف حر في العالم كله، ونحن نمر في ظرف بشري عالمي يقتضي منا ان نحتذي نموذج سعيد وأن نؤسس لخطاب معارض له القدر نفسه من الشجاعة والوعي والصبر، لقد مضى سعيد وبقيت القضايا التي ظل يحارب من اجلها، وهذا هو التحدي امام مثقفي العالم والعرب، خصوصاً لكي يأخذوا الراية بعد ان علقها الفارس، وهذا هو التحدي، لقد ذهب ادوارد سعيد نقياً وصافياً وبقيت المسؤولية علينا كلنا لننقي انفسنا مثلما نقى نفسه، ونحارب القبح العالمي بسلاح العقل والكلمة الحرة والرأي الشجاع، كما فعل سعيد، وتلك هي الخلاصة الإنسانية لتجربة إدوارد سعيد، رحمه الله باسم كل القيم ورمزيات النضال وهو اهل لكل ذكرى جميلة وقيمة سامقة.
.
.