نحن أمام تجربة نسوية ليست الأولى، وإنما سبقتها خطوات صاهلة وطرقت هذا المجال الروحاني، ولنأخذ نظرة خاطفة على هذا الجانب، لنعود بعدها ونلقي بظلالنا على التجربة المحلية.
فقد أسهمت المرأة في هذا اللون الشعري بنصيب وافر، فـ«روحية القليني» قد أفردت ديواناً كاملاً لهذا الغرض الشعري حمل عنوان «عطر الإيمان»، كما نجد لها الكثير من القصائد المتفرقة في دواوينها الأخرى، والتي يتبدى فيها عمق الإيمان بالله الواحد والقنوت له عز وجل، تقول مناجية ربها:
يا رب هل تكفي لشكرك روعة الكلماتِ
أو دمعة الإيمان قد فاضت بها عبراتي
أو سجدت طالت بعمق الحب في صلواتي
كما تشير في أشعارها إلى قيامها بالفروض الدينية، وتلاوتها القرآن الكريم صباحاً ومساءً، وانعكاس ذلك على نفسها بالأمن والسكينة:
كتاب ربي ضياء
ينير ظلمة نفسي
يصون قلبي وروحي
من كل شر ورجسِ
أتلو كتابك ربي
ففيه أمني وأنسي
أتلوه في الفجر حصناً
وبالتلاوة أمسي
ويتبدى لنا مدى تأثير النزعة الدينية على نفسها حين تقول:
أهدب عيني تصلي كل آونة
صلاة عبد تقي بات سهرانا
والقلب تمتم أنغام مقدسة
باسم الإله تسبيحاً وقرباناً
وقالت داعية ربها:
يا رب وجه خطانا
إذا ظللنا السبيل
وانثر جناحك نورا
لكل قلب ضليل
واسمع دعائي طهورا
عن الخطايا يميل
وأقبل إلهي سجودي
مع الخضوع يطول
أما الشاعرة «ملك حفني ناصف» فإن النزعة الدينية تبدو في جل قصائدها في أكثر من صورة، فمن نصحها لقومها بتقوى الله وحثها لأمتها العربية على استرجاع مجدها القديم وعزها الزائل، تقول ملك:
عليكم بتقوى الله أنكمو
رزئتمو بصروف الدمر والغير
ماتت جدود لكم لكن ذكرهمو
باق لنا في جبين الدهر كالغرر
قد خلفوا الفضل والأزمان شاهدة
بمجدهم ودليل القول في الأثر
وانتمو في الشباب الغض ليس لكم
سوى المساوئ في ألف من الصور
تركتمو الدين والشرع الشريف فوا
خوفي عليكم من التفريق واحذري
وللشاعرة «جليلة رضا» قصائد عدة، تبرز الجانب الإسلامي في شعرها، نلمح في ثناياها عمق الإيمان والإنابة والمحبة لله، والامتثال لإرادته ـ عز وجل ـ تقول في قصيدة صلاة الفجر:
يا رب أعط السائل المحروم أسباب السرور
وامنح لكل مشرد ركناً موشى بالحرير
اطفئ وقود الحرب في الدول المؤججة السعير
وامح الضغينة من فؤاد الذئب للحمل الصغير
وعلى جبين الكون ضع قبل المحبة والضمير
فهذا دعاء لجميع الخلائق بالخير العميم.
وكم ناجت الشاعرة ربها في خشوع، مناجاة سامية تنطق بعمق يقينها وقوة إيمانها، استمع إليها حين تقول:
يا رب ومضاً من ضيائك في دمي
وظلال آمال على أجفاني
أو صحوة أخرى قبيل ترحلي
بل هزة كبرى ترج كياني
ومن القصص الديني في شعر نازك الملائكة قصة إسماعيل بن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ الذي تفجر الماء تحت قدميه، إذ تنفعل نازك لهذا الحدث الجليل، وتقول:
رمل.. وريح تزفر
وبطن واد ساكن معرف
ينهض في جانبه العطشان
بيت الله
وخيمة صغيرة لهاجر. وليس من حياة
لا ظلل ندية، لا مهد لا أعشاب لا مياه
وصوتها يهتف: إبراهيم
يا مغدق الحنان والرأفة، إبراهيم
لأين تمضي مسرعاً؟ لأين إبراهيم
وفيم قد تركتنا في قلب رمضاء هنا نهيم
إلى أن تقول:
يا هاجر الحزينة اهدئي
ريانة هذي الرياح اقبلت تحمل أحلى نبأ
لطفلك الصارخ في دثاره المهترئ
تقطر الرياح حباً في شفاة الطفل إسماعيل
تلمس خديه بعطر نسمة بليل
وتسكب الحياة والخضرة في كيانه النحيل
هذه قراءة خاطفة لتجارب حديثة العهد، ـ وإن شاء الله ـ لنا وقفة مع تجربة أختنا قيثارة لنغوص في جسد قصيدتها مليا علنا نحظى بلؤلؤة أو مرجانة.