لطالَما ساورتني الشكوك حوله: الصباح.. هل هو ابتسامة على وجه الكون؟ أم أنه الوقت الذي تصب فيه الشمس بادئ غضبها على الأرض؟.
وحقا أنني لَم أستطع إيقاف شكوكي، لكن كان عليّ الإسراع قليلا في خطواتي المتثاقلة كي أصل لقاعة المحاضرات قبل الوقت بقليل.
وطوال وقت المحاضرات الذي يضج بالضجر، حاولت التشاغل بأي شيء وفي أي شيء عن أنوار السقف الصفراء التي لا أبالغ أبدا إن قلت أنَها تصيبني بالتوتر، وكذلك من بعض الجالسين إلى جواري مِمن يستمتعون بِهز سيقانِهم إلى درجة تبعثني على التوتر أيضا.
حَمَل الوقت الثقيل آخر أثقاله وأطلقني لطريق الإياب الذي لا يكاد ينهي مُحاولاته المستميتة للتشبه بطرق الذهاب. وبين الخطوات المتشابِهة، بدأت نفسي تراوغ وتناكف كي أعطيها فرصة الكلام. ترددتُ كثيرا، وترددتُ كثيرا. خفتُ أن تغمرني بالأسئلة مثل النيل عندما يفيض. وظلت أحرف الكلمات تتقافز أمام عيني بين نعم ولا، ولا ونعم.. ثم وأخيرا.. لـ.. لن أتردد أكثر: نعم، إنَها نعم. تفضلي أيتها النفس الطامعة في بعض الطمأنينة، والواقع أني لَم أكن لأسْمَحَ لكِ لولا يقيني المتأصل من ماضي أيامي بأن في بعض الأجوبة بعض الطمأنينة.
قالت: لن أكثر الهذر عليك؛ لأن رأسك يكاد يَمتلئ منه، ولأنك تُجيده كمهنة ثانية. كاد فمي أن يتثاءب بابتسامة. وأكملتْ:
- لو كان أمرك ملك يديك الضئيلتين.. أين كنتَ تريد أن تكون الآن؟
كان سؤالُها مثل سكين مُملحة نكفت جراحي العصية على الالتئام. وأكملتْ كلبوة توغل غرس أنيابِها في عنق ضحيتها:
- إلى جوار أسرتك التي لا تعرف حقيقة مشاعرك نَحوها.. أم إلى جوار أصدقائك الذين يطاردك هاجس خسارتِهم في كل لَحظة.. أم إلى جوار حبيبتكِ التي لَم تقدر الوصول إليها وأخذها من أمام عينيك شخص آخر.. خطفها الآخر، أم خطفها الزمان.. لست أرى من فرق فأنت لَم تصل إليها على كل حال.
وقبل أن تبدأ عناقيد الإجابة بالاختمار في رأسي كنت قد وصلت إلى باب غرفتي. وبِحركة لا إرادية أخرجت المفتاح من جيب البنطال الأمامية الضيقة.. وضعته في الباب.. لكنه لَم يدر. ضغطتُ بقوة أكبر.. لَم يدر. وضعت يدي الأخرى على المقبض.. لَم يدر. ركلته بقدمي.. لا فائدة. رجعتُ خطوتين إلى الخلف: (374).. ياه، إنَها ليست غرفتي. سحبت مفتاحي ونفسي، ولَملمت بقايا إدراكي من المكان..
- يا الله.. لَم أنتبه إلى أني ضغطت الرقم الخاطئ في المصعد.
وأخذتُ الدرج للصعود إلى أعلى بِخطوات هي أقرب إلى الاحتجاج. وحينما وصلتُ الباب الأزرق تَهجأتُ أرقام الغرفة كطفل في سنته الدراسية الأولى: أربعة سبعة أربعة.. صحيح ها هي غرفتي.
دخلتُ الغرفة، ورميتُ حقيبتي التي كانت تئن من حِمل الكتب ذات الوزن الثقيل، لكنني على غير عادتي لَم أبادر لِخلع ملابسي. رميتُ جسدي الغض المنهك على السرير الذي آلَمني قليلا في البداية من فرط صلابته.. لكنني تغاضيت عن ذلك ولَم أعي إلى أن زميلي في السكن غير موجود.
رفعتُ عيني ناحية السقف متسائلا: أين ذهب؟ لكن، لَحظة.. هل جُملة "زميلي في السكن" كافية لوصف ذلك الكائن الإنساني؟ إنه قبل ذلك ابن خالتي الذي يقترب مني كما لا يقترب أحد، وقد تشاطرنا معا الكثير من الأتراح والقليل من الأفراح. إنه صديق عمري الرافل بعشرين ربيعا.. أو ربَما عشرين خريفا.. لا أعلم؟! وهناك سؤال آخر لا أعلم إجابته: هل عشرون عاما هي عمر طويل أم قصير؟. لدي ارتيابات عديدة حول صحة هذه الأقوال التي بليت لكثرة ما لاكت بِها الألسن مثل: العمر يقاس بالإنْجازات لا بالأيام. أو تلك التي تدعي أن الشباب شباب القلب والروح. لا أقول أنَها مَحض هراء، لكن يبدو أن كلمة هراء تنفع في وصف الكثير منها.
لَم يقطع حبل الأسئلة الخالية من رفقة الأجوبة إلا صوت «كاظم» الذي دخل للتو فتفاجأ بِجسدي الملقى على السرير في كامل هندامه:
- حسنا أنك عدت، كنت سأذهب إلى مطعمك المفضل.. هل ستأتي معي؟!
- لا، أنا متعب. أريد أن أرتاح قليلا.
ولَم أكن متعبا جدا بِحيث أعجز عن الذهاب. لكن لا أعلم ما الذي جعلني أقول له ذلك. ربَما كانت تلك الأسئلة التي عادت تُحاصرني وتفترسني وأنا أستعرض كامل عجزي أمامها. ولَم أتَمكن من الهرب منها إلى حين سرقني النعاس الذي لَم يرحَمني هو الآخر، بل كان كل ما رأيته فيما يراه النائم مزيدا من الأسئلة.. مزيدا من الحصار والافتراس.. والعري عن الأجوبة.