العراق والأمم المتحدة
الخميس 14 أغسطس 2003
عزيز الحاجيبدو من الأخبار أن قرارا جديدا من مجلس الأمن قد يصدر عن العراق بمبادرة أمريكية. وتقول الأنباء إن من أهم ما قد يتفق عليه هو إعطاء درجة من الشرعية الدولية لمجلس الحكم العراقي الانتقالي، وسوف يعزز ذلك مكانة المجلس، كما سوف يحرج عرب الجامعة وأمينهم العام المستمرين في التشكيك والتعريض، وهو ما لا يشرفهم ولا يضعف من شرعية المجلس عراقيا. والشق الثاني من مشروع القرار الذي تدور حوله الأنباء يخص إعطاء دور سياسي أكبر للأمم المتحدة في الشأن العراقي. وكنت قد أعربت مرارا عن مخاطر التدخل السياسي المتزايد للمنظمة الدولية من خلال مبعوثها الخاص في بغداد ووجوب تركيز الدور على الجوانب الإنسانية مع دور سياسي ثانوي تابع للإدارة المدنية العامة ولمجلس الحكم. وبودي العودة للموضوع بمناسبة جولات السيد دي ميلو في الدول العربية مؤخرا.
<span style='color:red'>أولا: المرجعية في القرار 1483
يقوم السيد دي ميلو، المبعوث الخاص للسيد كوفي عنان، بجولة إقليمية تتعلق بالقضية العراقية. وقد صرح في القاهرة في التاسع من آب الحالي بأن الدول المجاورة للعراق جميعا تدعم أن يكون للأمم المتحدة في العراق "دور رئيسي". وصرح معه مستشاره، الأستاذ غسان سلامة، الوزير اللبناني السابق، بأن "فريق الأمم المتحدة الذي سبق أن نظم الانتخابات في كوسوفو وتيمور يعمل على وضع قوائم انتخابية في العراق."
ولا شك عندي في أن ثمة بعض الالتباس حول الدور الرسمي للمنظمة الدولية في العراق، إذ ثمة من يعتقدون أنه دور سياسي "رئيسي"، أو على الأقل يطالبون بذلك. وهذه الجهات هي جميع دول مجلس الأمن التي عارضت الحرب وساندت النظام المخلوع، وجميع الدول العربية دون استثناء، ومعها فريق محدود من الوطنيين العراقيين. والهاجس والدافع من وراء هذه المطالبة والرغبة هما تحجيم دور التحالف الأمريكي ـ البريطاني، الذي انفرد بعملية إزاحة نظام صدام وقدم المئات من أبنائه وبناته قتلى وجرحى، بعد أن عارضت الأكثرية في مجلس الأمن أي عمل فعلي لتحرير العراقيين من ذلك النظام، ناهيكم عن وقوف مجموع الدول العربية بجانبه حتى النهاية.
إن المرجعية في تحديد دور مبعوث الأمين العام في العراق هي نصوص القرار 1483المعتمد في 22 مايو المنصرم بالإجماع، باستثناء الصوت السوري الغائب!! وكان القرار يخص رفع العقوبات الاقتصادية عن العراق، وكيفية مساعدته على إعادة البناء والانتقال نحو الديمقراطية الانتخابية. إن القرار المذكور قد "شرعن" الوجود العسكري الأمريكي والبريطاني وأعطى التحالف "السلطة" لحكم العراق. وفي جميع بنود القرار يأتي ذكر كلمة "السلطة"، والمقصود الإدارة المدنية العامة للتحالف[ بريمر]. فالقرار "يسلّم بالصلاحيات والالتزامات المحددة بموجب القانون الدولي المنطبق لهاتين الدولتين بوصفهما دولتين قائمتين بالاحتلال تحت قيادة موحدة ["السلطة"].
وفي الفقرة رقم 9 يرد التالي:"يؤيد [ المجلس] قيام شعب العراق، بمساعدة السلطة، وبالعمل مع الممثل الخاص، بتكوين إدارة مؤقتة عراقية بوصفها إدارة انتقالية يسيرها العراقيون، إلى أن ينشئ شعب العراق حكومة تمثيلية معترفا بها دوليا وتتولى مسؤوليات السلطة."[ انظر النص الرسمي للقرار في عدد "الشرق الأوسط" تاريخ23 مايو 2003] ويعطي القرار أهمية خاصة للإدارة العراقية المؤقتة كما سوف نرى.
وبخصوص مبعوث الأمم المتحدة، فإن الفقرة رقم 8 تنص على التالي:
" يطلب الى الأمين العام تعيين ممثل خاص للعراق تشمل مسؤولياته المستقلة تقديم تقارير منتظمة الى المجلس عن أنشطته بموجب هذا القرار وتنسيق أنشطة الأمم المتحدة في عمليات ما بعد انتهاء الصراع في العراق، والتنسيق فيما بين وكالات الأمم المتحدة والوكالات الدولية للمشاركة في أنشطة المساعدة الإنسانية وأنشطة إعادة البناء في العراق وتقديم المساعدة لشعب العراق، بالتنسيق مع السلطة[إدارة بريمر] عن طريق ما يلي:" ثم تعدد الفقرة مجالات هذا الدور في تنسيق المعونات الإنسانية، و"تشجيع العودة الآمنة والمنظمة والطوعية للاجئين والمشردين"، و"ج. العمل بصورة مكثفة مع السلطة مع شعب العراق [أي الإدارة الانتقالية]، والجهات المعنية الاخرى لتعزيز الجهود المبذولة [ بذلتها إدارة التحالف] لاستعادة وإنشاء المؤسسات الوطنية والمحلية اللازمة للحكم التمثيلي، بما في ذلك العمل الجماعي من اجل تيسير العملية التي تفضي بقيام حكومة تمثيلية معترف بها دوليا في العراق."
ويدعو القرار ممثل كوفي عنان أيضا "إلى تشجيع" جهود إعادة بناء قدرات الشرطة المدنية العراقية، و"تشجيع" الجهود الرامية إلى تعزيز الإصلاح القانوني والقضائي.
ومن بنود القرار مطالبة جميع دول العالم بإعادة الأموال العراقية الموجودة عندها لوضعها في صندوق التنمية الذي أنشأه المجلس ووضع صلاحيات الصرف في أيدي الإدارة المدنية العامة بالتنسيق مع الإدارة العراقية الانتقالية. ولكن من الدول العربية من تصر على عدم تنفيذ الفقرة، بل وكثرة منها راحت تطالب بتعويضات تتجاوز عشرات المليارات من العراق!
ثانيا: دور الأمم المتحدة السياسي
مما مر ومن بقية مضمون القرار يتضح ان مجلس الأمن قد حدد للأمم المتحدة ممثلة في أمانتها دورا مهما وحيويا في المرحلة الانتقالية التي يمر بها العراق. إن هذا الدور هو "رئيسي" بقدر ما يتعلق الأمر بالشؤون الإنسانية والتنسيق بين أنشطة الوكالات الدولية والجهات الدولية الأخرى التي تقدم المعونة. أما في المجال السياسي فإن دور مبعوث الأمم المتحدة دور مساعد لكل من الإدارة المدنية للتحالف والإدارة العراقية الانتقالية. فهو ليس شريكا لهما بل هو دور مساعد وداعم و"مشجع". وبما أن مجلسا عراقيا للحكم قد تأسس وسيشكل بعد أيام حكومة وزارية، فإنه هو الذي يمثل الشعب العراقي في هذه المرحلة، وهو المسؤول عن صياغة مسودة دستور يطرح للمناقشة العلنية الحرة العامة والطويلة قبل طرحه للاستفتاء الشعبي. والمجلس، وليس فريق السيدين دي ميلو وسلامة، مسؤول عن وضع قانون انتخابي وعن تعداد سكاني، بالتنسيق مع إدارة بريمر وبمشورة من مبعوث عنان. والمجلس هو المكلف في المراحل الأخيرة بإجراء الانتخابات بإشراف دولي لضمان الشفافية والمصداقية والفاعلية.
لقد تأسس مجلس الحكم بعد مداولات ومفاوضات طويلة بين القوى والشخصيات الوطنية والمرجعيات الشعبية. وهو يضم معظم أطياف المجتمع والألوان السياسية. صحيح أن تمثيليته غير كاملة، وهناك عدم رضى وشكاوى بالغبن، ولكنه يجب أخذه بظروف العراق الصعبة والدقيقة، والمخاطر التي تحيق التجربة بسبب العمليات الإرهابية لفلول صدام والإرهابيين العرب الوافدين لمساعدتهم، وبسبب العداء العربي الجماعي المؤلم والمؤسف. ومع ذلك فهو أكثر تمثيلية شعبية ووطنية من الحكومات العربية التي لم يتم انتخاب أي منها انتخابا حقيقيا، هذا إن كان ثمة انتخابات! ثم إنه حتى حكومات الدول الديمقراطية الغربية لا تدعي تمثيل مجموع الشعب بل منها من جاءت باكثرية انتخابية بسيطة، أي لا تمثل غير أكثر بقليل من نصف السكان. ولكن عليها بعد الانتخابات أن تعتبر نفسها في خدمة المجموع وأن تعمل على هذا الأساس لا على أسس الحزبية والولاء الانتخابي. ونحن ننتظر من مجلس الحكم العراقي أن يعمل لخدمة مجموع الشعب وأطيافه الممثلة منها في المجلس أو التي لم تمثل.
إن العرب وبعض العراقيين الذين يريدون "للأمم المتحدة دورا رئيسيا" لا يجهلون التالي:
إن "الأمم المتحدة" تعني الأمانة العامة وتعني مجموع الدول الأعضاء ولا سيما مجلس الأمن. ونعرف أن معظم أعضاء مجلس الأمن وقفوا ضد إزاحة نظام صدام. فهل يريد العرب أن يتسسلل النفوذ والتأثير والحسابات السياسية لهذه الدول، ولا سيما الكبرى منها، للمشاركة في حكم العراق؟ أم مشاركة الدول العربية التي سجلت مواقف سلبية مسيئة لشعبنا ولحد يومنا ولا تعترف بالمجلس الانتقالي العراقي الذي قال عنه دي ميليو في زيارته لهذه الدول إن دوره "مركزي في هذه المرحلة الانتقالية"، رغم قوله الغريب "نحن لا نروج للحكومة الانتقالية." فكيف ينسجم هذا مع ذاك مع أن قيام المجلس العراقي جاء تنفيذا لقرار مجلس الامن الذي بموجبه عين دي ميليو مبعوثا للعراق!!
وأما الأستاذ غسان سلامة المستشار المرافق لمبعوث عنان فيقول لنا:"إن فريق الامم المتحدة الذي سبق أن نظم الانتخابات في كوسوفو وتيمور يعمل على وضع قوائم انتخابية في العراق." [الوكالات ليوم 9 أغسطس ـ آب ]. وهنا أذكر القراء بتجارب الانتخابات المذكورة التي نظمتها الأمم المتحدة، وكان الكاتب المتعمق امير طاهري قد تناول الموضوع بشمولية وعلى أساس الوقائع في مقالة له في "الشرق الأوسط" وهو بصدد الجدال عن دور الأمم المتحدة في عراق ما بعد صدام. ومما قاله طاهري في البداية:
" إن ما يحتاج إليه العراق،أكثر من عملية البناء،هو الحرية والديمقراطية. وهذا بالضبط ما لا تستطيع الأمم المتحدة، التي أغلبية دولها غير ديمقراطية، توفيرهما." والدول العربية هي في المقدمة من بين "لاديمقراطيات "العالم! ويبرهن طاهري أن أمثلة الانتخابات في كمبوديا والبلقان وسيراليون، التي نظمتها الأمم المتحدة فاشلة. فكان دور المنظمة الدولية " ما بين دعم الاوضاع القائمة أو الحفاظ على نوازن هش للقوى يستثني تطورات ديمقراطية كاملة." وفي سيراليون استخدمت المنظمة الدولية "غطاء لإدارة الانقسامات القبلية والسيطرة الاستعمارية الجديدة". وفي حالة تيمور الشرقية " صارت المنظمة مرادفا للفساد والعروض المشبوهة والفرص الضائعة". وأعلم من تجربتي الدولية ان خبراء ومبعوثي الامم المتحدة يتقاضون مبالغ خيالية على حساب البلدان المعنية نفسها.
إن في العراق اليوم سلطتين تتعاونان وتنسقان: بريمر ومجلس الحكم. وللمجلس صلاجيات واسعة وتمثيلية شعبية جيدة وإن هي غير كاملة. ولم نر بريمر قد ألغى بالفيتو قرارا من قرارات المجلس. كما ان بين أعضاء المجلس من انتقدوا او ينتقدون بعض إجراءات بريمر ومواقف واشنطن. وهذه العلاقة الودية والحوارية وشبه المتكافئة يجب ان تستمر وتتعزز. وليس من مصلحة العراق زج حساسيات ومراجع ومصالح دولية أخرى متضاربة في القرارات المصيرية الخاصة بالعراق. وهذا لا يعني عدم احترام الصلاحيات التي منحت لمبعوث الأمانة الدولية ووجوب التنسيق معه في المجالات ذات الاختصاص. كما يمكن إشراك الأمم المتحدة فيما بعد للإشراف على الانتخابات العامة مع هيئات دولية أخرى غير حكومية. أما الدول العربية وبعض الدول الكبرى، فإنها لا تريد تغييرا ديمقراطيا حقيقيا في العراق بل تأمل عودة النظام السابق بثوب وقناع جديدين ملطفين. وإذا كان الرفض العربي لمجلس الحكم عاما شاملا، فسوف تتخذ الدول والنخب العربية نفس الوقف السلبي إن جرت الانتخابات العامة النزيهة بإشراف دولي وتسلمت السلطة حكومة تمثيلية شرعية تماما. والأسباب مزيج من النوازع والحساسيات الطائفية والعرقية والاعتبارات السياسية والمصالح الاقتصادية، ولا سيما القلق من التغيير الديمقراطي الذي قد تنتقل "عدواه" للمنطقة!!
</span>