<< ملحق مقالات تتناول الشؤون العراقية >>
الأردن و العراق الجديد
أولوية سياسة المبادأة في الحوار والانفتاح
الجمعة 15 أغسطس 2003 16:13
د. رسول محمد رسول
لم تشهد العلاقات العربية العراقية مستوى من التعقيد مثلما شهدته علاقة الأردن بالعراق رغم وضوح المسارات التجارية والسياسية والثقافية البادي خلال العقود الثلاثة الماضية التي شهدت حكم الدولة البعثية في العراق، ففي حرب الخليج الأولى شاطر الأردن صدام حربه ضد إيران، وفي حرب الخليج الثانية تحمّل الأردن مصائب مناصرته العراق غزو الكويت وإن لم تكن بالصراحة الواضحة، وفي مقابل ذلك لم يثن صدام عزمه عن إعدام عدد من الأردنيين في التسعينيات وهو الفعل الذي أثار شجن جلالة الملك الحسين رحمه الله، وكان صدام يواصل دعمه الاقتصادي للأردن بالمال والنفط، ويدفع دون مواربة أعداد من عناصر المخابرات العراقية إلى الأردن ليمارسوا نشاطا استخباريا لصالح العراق، بل كانت المخابرات الأردنية قد دخلت في أتفاق تعاون أمني مع العراق، ومن جهة كانت عمّان مسرحا لعمل عشرات من الشركات التجارية الوهمية التي تعود إلى عدد من أفراد أسرة صدام شخصيا ولمؤسسات تصنيعية رسميّة، منها عسكري، وغيرها مدني، وثالثة استخدام مزدوج.
على الصعيد الأردني تجشمت عمّان منذ أزمة حرب الخليج الثانية عناء استقبال مئات العراقيين الذين هجروا العراق إلى بلدان أخرى بينما بقي الآلاف منهم بالأردن للعمل، خصوصا المثقفين العراقيين الذين لاقوا بعض عناية المثقفين الأردنيين والمؤسسات الثقافية الأردنية، ومن جهة تبنى الأردن وجود تشكيلات من المعارضة العراقية، وتقديم الغطاء الأمني لها وتسهيلات الإقامة وحرية القول عبر منابر صحافية عدة حتى اليوم الأخير الذي انهار فيه نظام الدولة البعثية في التاسع من نيسان / إبريل الماضي.
<span style='color:red'>أعباء الحال الأردنية
بعد هذا التاريخ تغير حال العلاقة بين البلدين العراق الجديد والأردن، وأصبح يشي بالتوتر، فالأردن توّقف عنه النفط العراقي الذي كان يصل بسعر رمزي، وتوقفت اتفاقية التجارة البينية مع العراق وفق مذكرة (النفط مقابل الغذاء) التي كسرت أضلع الاقتصاد ألأردني، خصوصا قطاعه الخاص، وأخذَ العراقيون المقيمون بالأردن يغادرون إلى العراق الأمر الذي خلق إرباكا في حركة البيع اليومية، وعدم إقبال العراقيين على الاستثمار في الأردن، ولأن الحرب أحرقت الأخضر واليابس في العراق تحمّل الأردن وزر الفلسطينيين النازحين من العراق الذين يتموضع عدد كبير منهم عند الحدود العراقية الأردنية، إلى جانب مشكلات أخرى منها فقدان الأردن لعدد من أبناءه في الحرب وغموض موقفهم.
قد تبدو هذه الأحوال الرديّة أبسط من أحوال أخرى أكثر تعقيدا على مستقبل العلاقة بين الأردن والعراق الجديد، خصوصا في بُعدها السياسي الذي ينعكس على نحو أو آخر على الأوضاع الأخرى، من هذه الأحوال ما يُهمن عليه الماضي، وفيه قضية صراع الأردن المخضرم مع إحدى الشخصيات العراقية المعارضة للنظام البعثي والتي دخل الأردن طرفاً في إشكالية قانونية معه، تلك هي شخصية الدكتور أحمد الجلبي، عضو مجلس الحكم الانتقالي، وأحد أجنحة التغيير السياسي الجذريين في العراق الجديد، والشخصية الفاعلة في مستقبل الوضع العراقي القادم، حيث هناك قضية قانونية مسجلة في القضاء الأردني ضد الدكتور الجلبي، ولم تأخذ هذه القضية أية أهمية لدى واشنطن التي تعتمد الجلبي بوصفه فاعلا حِراكيا في المسرح السياسي الجديد.
اتهام في غير محله!
يوحي الفضاء السياسي في عمّان أن (الجلبي) يمثل إشكالية سياسية تعوق استئناف علاقاتها مع العراق وإعادتها إلى سابق عهدها، لقد نفي بعض الأردنيين الرسميين ذلك، لكن المخيال الأردني السياسي الشعبي كشف عن موقف سياسي متوتر عندما اتهم (المؤتمر الوطني العراقي) الذي يرأسه الجلبي بالتخطيط لعملية تفجير مبنى السفارة الأردنية وسط بغداد في السابع من أغسطس 2003، بيد أن هذا الاتهام سرعان ما كشف عن ضحالته عندما أشارت الولايات المتحدة إلى أن الحادث يمتُّ بصلة إلى المنظمات الإرهابية المحترفة التي تكنُّ العداء للأردن التي تصطاد في الماء العكر الجارية مسالكه في عراق اللاأمن.
في هذا الوقت كشف تقرير نشرته صحيفة (نيويورك تايمز/ الأحد 10 أغسطس 2003) أن الأردنيين لم يكونوا بعيدين عن المخطط الأمريكي لتغيير الحكم الصدامي بالعراق، فقد أشارت الصحيفة إلى أن (ضباطاً في الاستخبارات الأردنية ساهموا في اتصال المخابرات الأمريكية مع عدد من العسكريين العراقيين أواخر 2002 للمساعدة في الانقضاض على حكم صدام ورتبوا للأمريكيين لقاءات مع العسكريين العراقيين شخصية معهم، وزودوهم بأرقام هواتف نقالة وعناوين بريد إلكترونية ناهيك عن الأموال التي دفعت للعراقيين عبر الوسطاء الأردنيين).
بغض النظر عن صحة هذا التقرير والمعلومات الواردة فيه، فإن العلاقة الفوقية بين الأردن والولايات المتحدة تبقى متشاطرة من حيث المصالح العليا مع مصالح واشنطن بالمنطقة العربية عامة، ومع مصالحها في العراق الجديد على نحو خاص، ما يعني أن تردي العلاقة الأردنية مع نظام الحكم العراقي الجديد لا مبرر له من جانب الأردن بسبب قضية أكل الدهر عليها وشرِب هي قضية الدكتور الجلبي! ذلك أن الأفق المستقبلي يحتم نسيان الماضي للتوافر على الحاضر لخلق فرص نمو جديدة في العلاقة بين عمّان وبغداد ما بعد الدولة البعثية، ومما لا ريب فيه أن الأردن يتفهم أوضاعه الاقتصادية والسياسية أكثر من غيره، وهي أوضاع لا تحتمل المقاطعة السياسية التي سيترتب عليها حتما مقاطعة اقتصادية الأردن قبل غيره في غنى عنها.
رهان الحوار
لقد تعوّد الأردن إبداء سياسية مرنة تجاه أحداث صاعقة في المنطقة، والأردن الذي عانى ما عاناه العرقيون أنفسهم منذ حرب الخليج الثانية لا بدَّ أن يُراهن في صناعة مستقبل علاقته بالعراق الجديد على نسيان الماضي، وطي صفحات لم يعُد لها سوى مذاق مُر في الذاكرة البينية، لا بدَّ للأردن أن ينطلق من وازع تقديره للظرف الحرج والتاريخي الذي يمرُّ به العراق راهنا، ومثلما كان أباً للمبادرة في فتح حدوده أمام العراق والعراقيين يوم أغلقت أكثر الدول العربية حدودها أمام العراقيين إبّان نهاية حرب الخليج الثانية، أمامه الآن المبادأة في مدَّ يد الوصل البيني، السياسي والاقتصادي بل واللوجستي، مبادأة الحوار مع العراقيين وهم يحثون الخطى نحو مستقبل زاهر يحترم حقوق الجار قبل الدار، لقد جاءت المبادأة من إيران قبل أي دولة عربية فهل ستأتي المبادأة العربية من الأردن قبل غيره؟؟
</span>
كاتب عراقي/ الإمارات
خاص بأصداء