عرض مشاركة واحدة
قديم 16-08-2003, 07:01 AM   رقم المشاركة : 1
الهدهد
طرفاوي نشيط
 
الصورة الرمزية الهدهد
 





افتراضي مستقبل الثقافة في العراق الجديد ...

مستقبل الثقافة في العراق الجديد
إشكاليات التصادم الهوياتي وحِراك الخصوصية التواصلي (1 ـ 4)

الاثنين 04 أغسطس 2003

رسول محمد رسول
<span style='font-size:12pt;line-height:100%'>إشكالية سؤال المستقبل (1) </span>

بينما كان حال الثقافة في العراق يرزح تحت سطوة النظام الثقافي البعثي، خصوصا في أنموذجه الصدامي، كان القلق يومها يُساور جميع النخب الفكرية والثقافية في العراق بل وفي الوطن العربي عمّا سيؤول إليه حال الثقافة في بلاد الرافدين ذات الخصب والنماء والخلق والإبداع في ظل خطاب ثقافي واحديّ النزعة كرّسه خطاب الدولة البعثية الذي كان يضجُّ بالتعسف والقمع والعسكرة. واليوم، وبعد زوال ماكينة هذا الخطاب في تجسيدها الحسي ثمة بقية من تركة خطاب الماضي. ولما كان التغيير السياسي في العراق الجديد يحمل بين مطاويه خطاب ثقافي جديد مثلما هو خطاب سياسي جديد تحدونا الرغبة بأن نستشرف إمكانات ما سيؤول إليه حال الثقافة في بلدنا في ضوء مفاعيل ما حلّ من خطاب سابق، وفي ظل الأوضاع الراهنة حيث إشكاليات التصادم الهوياتي المتوقعة، وصولا إلى ملامح ما يمكن أن يكون عليه حال الثقافة في المستقبل ذلك المتعلق بحِراك الخصوصية التواصلي من عدمه!
<span style='color:black'>سؤال المستقبل

من البديهي أن السؤال عن المستقبل في الوطن العربي مصاب بخيبة أمل مؤبدّة، وفي سياق البحث عن الأسباب أرجعت بعض الدوائر الاستشراقية الأمر إلى طبيعة العقل العربي ذاته، فهو عقل حافل ب(رؤى قبلية) تحاكم الواقع في صيرورته وفقا لمخيال تثوي فيه مفهومات وتصورات سابقة ونظم فكرية سابقة، وهو عقل (حسوي) لا ينصرف إلى الواقع الموضوعي إلا ضمن معطيات حسيّة مباشرة ما يعني إنه لا يحتكم إلى التجريد النظري الخلاق الذي يُعدُّ جوهر التفكير المستقبلي. ومع أن هذا التفسير السلبي ظل مهيمناً على الوعي الغربي المعاصر فإنه يطوي بين جنباته أعطاله ومعوقاته، فالفكر العربي ومنذ قرون حفل بالنزعة التجريدية، كما أن أية بنية تصورية قبلية لا تعوق التفكير التجريدي، وبالمرة ليس القدرة على التجريد حيازة وامتياز لفرد دون غيره أو شعب أو أمة دون غيريهما، إن التفكير التجريدي أو المستقبلي قدرة بشرية عامة ومتاحة للإنسان الذي يحترم كيانه بوصفه قيمة نادرة في الوجود ويعي الزمن في صيرورة تحولاته وعيا إبداعيا منتجا. في ضوء ذلك، يبقى السؤال قائما: لماذا يُعاق التفكير المستقبلي عن طرح سؤاله، ولنقترب أكثر لنسأل: في ظل توافر العرب على إمكانات التفكير المستقبلي المادية والفاهمية منْ يُعيق سؤال المستقبل في وطننا العربي؟
ما هو مؤسف أن صناعة سؤال المستقبل مرهونة بالمؤسسة السياسية العربية، بضروراتها ورؤاها، بفكرها وأيديولوجيتها، فهي المؤسسة الأقدر على خنق السؤال أو إطلاق العنان لفاعليته، وما قمع الدولة البعثية في أنموذجها (الصدامي)، الذي مارسته على مدى ثلاثة عقود ونصف، سوى حالة صارخة من حالات خنق السؤال المستقبلي، بل إنها الحالة المتميزة سلبا عن أقرانها في الوطن العربي، فلم تكتف الدولة البعثية بقمع سؤال المستقبل إنما قمعت المستقبل نفسه عندما أدخلت الشعب العراقي في دوامة ثلاثة حروب دامية في مقدماتها وصيرورتها ونتائجها هذه الحروب التي أعاقت، أولّ ما أعاقت، فرص النمو في المجتمع العراقي، بل لم تتوقف آثارها السلبية على العراق فحسب إنما على الوطن العربي برمته!
قمع الدلالة
هكذا نجد أن سؤال المستقبل يُعاني من محنة قمع دلالاته من جهة الأنظمة السياسية العربية؛ ولذلك نلاحظ أن أي انهيار سياسي جذري في الوطن العربي رغم الفداحة المقيتة التي يخلفها موضعيا نراه يترك المجال، وعلى نحو ضاغط، لأن يطرح سؤال المستقبل إمكاناته ويستمد طاقة تأثيره من الطبيعة الجذرية لحالة التغيير السياسي كما هو الحال في العراق، فلقد أدّت هزيمة 67 إلى فتح آفاق سؤال المستقبل بقدر ما اشتغلت على مسوغات الهزيمة والتردي وتعطيل الحال، والأمر ذاته عند اندلاع حرب الخليج الأولى، وتكررّت الحالة بعد احتلال الكويت عام 1990، لكن هذه الآفاق التي فتحت الشهية على سؤال المستقبل حُوصرت عربيا بينما اتخذت آفاقا منتجة في العالم الغربي، أما في حالة العراق الراهنة فإنها ستحتّم على هذا السؤال إطلاق مساراته وفتح إمكاناته أكثر بسبب جذريّة التغيير السياسي، وفداحة الخداع التاريخي الذي كرّسته الدولة البعثية في أنموذجها الصدامي ذو الطابع الشمولي في قمعه لسؤالي الواقع والمستقبل بل كليهما وفي ذاتيتهما معاً وفي آن واحد! وواضح أن الطابع الجذري للتغيير المأمول في العراق لن يقتصر على بنية دون غيرها، فهو تغيير سياسي واقتصادي وثقافي وتمديني سينضوي تحت خطاب التحديث الشامل؛ هذا الخطاب الذي بقدر ما يأمله العراقيون نراهم يشرعون في صناعة صورته ومنواله، وفي ضوء ذلك يُعدُّ تحديث (البنية الثقافية) في العراق أحد المأمولات الجوهرية في سياسة التغيير القادمة، ولهذا يكتسب السؤال عن مستقبل الثقافة في العراق الجديد شرعيته وإمكاناته؟
</span>

 

 

 توقيع الهدهد :

سيبقى الرأيُ الآخرُ المُقصَى
والفكرُ المختلفُ المضايقُ
ملوّحاً لمن سيأتي مادام هناك مساحةٌ من الصوتِ أو حتى الصمتِ .

مستقبل الثقافة في العراق الجديد ...
الهدهد غير متصل   رد مع اقتباس