ـ فهلاّ أوضحتم لنا معنى الانتخابات تحت إشراف الولي الفقيه، أي القسم الثالث من البحث.
ـ آية الله الحائري: نعم، إننا نعتقد بأن الانتخابات عامةً تكتسب مشروعية من الولي الفقيه، وإلاّ فلا مشروعية لها أساساً ولا حاجة لنا بها.
أي إذا امرنا الولي الفقيه بانتخاب أعضاء البرلمان، فإن أمره يكون نافذاً. ولربما جاءت النتيجة سيئة، فللولي الفقيه حق الاعتراض، وذلك لأنه لا يوجد لدينا حول الانتخابات دليل من الكتاب والسنة؛ فلو كان لدينا دليل من الكتاب والسنة، لكان على الولي الفقيه أيضاً التماشي معه لأنه مسلم مثلنا وعليه العمل به.
إنه ليس لدينا دليل من الكتاب والسنة حول الانتخابات، والدليل هو أمر الولي الفقيه، وأمره نافذ. ولهذا فإن مسؤوليتها أيضاً من نفس أمر الولي الفقيه. لقد قال المرحوم الامام(ره ) : والله إنني لم أكن موافقاً على رئاسة بني صدر للجمهورية.. فعندما عزله كان هذا مخالفاً لصوت الشعب، ولم يكن الشعب قد سحب صوته بعد. وعلى أية حال فإننا نقول بأن الأمام(ره ) لو كان قد عزله بناءً على رأيه منذ اليوم الأول لسبب هذا عناءً للشعب. ولكن لو كان هناك مفسدة تترتب على بقائه أكثر من هذا الأمر، ولو كان الامام قد رأى بأن بقاءه تترتب عليه مفسدة أكثر من عزله، لكان قد عزله منذ اليوم الأول، أي كان له الحق في ذلك.
انني أتذكر بأني كنت قد ذهبت الى طهران عند انتخاب بازرجان وكان الامام(ره ) يجلس في غرفة صغيرة، وكان أكثر الناس يجلسون خارجها، فتحدث الامام(ره ) باقتضاب، ثم رفع الناس شعاراتهم وذهبوا. ولم يكن حديثه يصل إلى أسماع من هم في تلك الغرفة. فسألت بعد ذلك أحد من كانوا بالغرفة قائلاً: ماذا قال الامام؟ فأجاب بأن خلاصة كلام الامام(ره ) كانت هكذا: لقد قلت لكم انتخبوا بازرجان لأنني كنت أريد مسايرة الوضع العالمي، وإلا فإن هذا الانتخاب لا يعدّ شيئاً. فأنا ولي الأمر، وأنا الذي نصّبته.
لقد سررت بهذه الكلمة أيّما سرور حينذاك. والآن لو انتُخب الشهيد رجائي، وكان هذا تحت نظر ولي الأمر، ولو كان ولي الأمر قد رأى بأن مفسدة شديدة تترتب على هذا الانتخاب أقل من فشل الانتخابات، أي أن مفسدة تجاهل الانتخابات لكان له حق الاعتراض حينئذ، وهذا خلاف قولنا بأن هذه الانتخابات جاءت مباشرة من عند الله. فلو كنا قلنا هكذا لكان هذا الدليل قد وصل إلى طريق مغلق.
ـ فهل يمكن لنا القول بأن على الولي الفقيه الرجوع إلى ممثلي الشعب لتشخيص مصلحة الناس وتشخيص المواضيع، أو يكون الأمر كما فعل الرسول(ص) مع الأنصار عندما قال لهم اختاروا هؤلاء الاثني عشر شخصاً وارجعوا إليهم؟
ـ آية الله الحائري: حسناً، إن هذا الرجوع له معنيان:
1 ـ الأول هو أننا مأمورون بالشورى {وأمرهم شورى بينهم} و {شاورهم في الأمر}.
2 ـ والثاني هو أن على الولي استحصال رأي الأكثرية؛ ففيما يتعلق بالأول من لزوم الشورى، فربما استفدنا من قوله تعالى {شاورهم في الأمر}، وأما بالنسبة لضرورة استحصال الولي الفقيه لرأي الأكثرية فهذا بخلاف ما نفهمه من قوله تعالى {وإذا عزمت…}.
فلو أردنا أن نبحث الموضوع بشكل منطقي وفلسفي، فبوسعنا القول بأن {إذا عزمت} لما تبيّن عزمت على ماذا؟ ولربما كان متعلق العزم هو رأي الأكثرية هذا.
ـ فهل تقبلون إذَنْ بلزوم الشورى؟
ـ آية الله الحائري: لزوم الشورى ليس مستبعداً؛ لأن لدينا آيات وروايات كثيرة بهذا الخصوص، وربما كانت الآيات أكثر وضوحاً.
ـ إذن.. فتشخيص رأي مجلس الشورى الاسلامي واستحصاله من باب المشورة يعتبر لازماً.
ـ آية الله الحائري: إنني لا أقول هذا، بل إن ولي الأمر يمكنه الاستفادة من الشورى في حد المشورة.
ـ لقد أشرتم إلى ثلاث مسائل وهي: ولاية الفقيه، وانتخاب الفقيه، والانتخابات التي تتم تحت نظره، وقلتم بأن الانتخابات تكتسب مشروعيتها تحت نظر الولي الفقيه.
والسؤال هو: هل تتعلّق مشروعية الانتخابات التي تتم تحت نظر الفقيه بفقيه كل زمان؟ أو أنها تتعلق بالفقيه المؤسس والذي يمنح الناس صلاحيات من باب الولاية؟
ـ آية الله الحائري: إنها تتعلق بولي كل زمان، في أي وقت وأياً كان.
ـ بعبارة أخرى، هل يلزم الدستور ـ الذي يؤسسه ويضعه فقيه ما ـ من يليه من الفقهاء باتباعه؟
ـ آية الله الحائري: إنه ليس مُلزِماً على الاطلاق؛ فإذا اخترنا أحد المبنيين اللذين حددهما صاحب الجواهر لوجدنا عدم إلزام من يأتي من الفقهاء التابعين. فلو قلنا بأن الفقيه الأول قد أعطى الولاية، فإن الولاية المعطاة لا تُلغى بموت الولي. فلو قلنا حتى بهذا المبنى، فإن صاحب الجواهر يرى بهذا المقدار أن بإمكان الولي التالي أن ينسخ ما يراه؛ أي إمّا ان نقول بالوكالة والتي تُنسخ تلقائياً بمجرد موت الولي الأول، أو أن نقول بالولاية، وهي لا تُنسخ بموت الولي، ولكنّ النسخ من حق الولي التالي.
إذن.. فالفقيه الثاني ليس ملزماً على الاطلاق بذلك الدستور الذي صودق عليه في زمان الفقيه الأول؛ فنهاية الأمر أن بمقدوره النسخ، وذلك مثل قانون إعادة النظر الذي جاء في دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية عام 1358هـ.ش؛ فلم يقل بأن الأول نافذ، إذْ كان من المقرر آنذاك بأن رئيس الجمهورية هو غير رئيس الحكومة (رئيس الوزراء) ولكنه تبدّل بعد ذلك.
ـ لقد أشار سماحتكم إلى أن انتحاب الولي الفقيه في حالات خاصة يتخذ لنفسه حالة انتخاب الأكثرية بلا اختيار، فما هو الدليل على أن هذه الأكثرية هي أكثرية الناس؟ ربما كان المراد بالأكثرية يعني أهل الحل والعقد؛ فالناس ينتخبونهم على أية حال. وبالطبع فإن في كل مجتمع أشخاصاً يفوقون سواهم في المعرفة؛ فلنفترض أنه يمكن تعيين أهل الحل والعقد بلا انتخابات، ومن ثم يقوم هؤلاء باختيار الفقيه.
ـ آية الله الحائري: إن هذا هو انتخاب أيضاً، انتخاب الناس، وكل ما في الأمر أنه نوع من الانتخاب؛ أي أن الانتخابات لم تكن بهذا الشكل بحيث يتعين أن تكون هناك صناديق للانتخابات، فهذا أحد انواع الانتخابات، وأوضح هذه الأنواع هو أن يكون هناك صندوق فيأتي الناس ويدلون فيه بأصواتهم؛ ولكن لو كان هناك أشخاص متميزون بين الناس ويقبل بهم الآخرون، فهذا واحد من الانتخابات، ولكن ليس عن طريق صناديق الاقتراع.
إن دليلنا على الانتخابات هو ما أسلفنا من وجود الأمر في "ارجعوا" و "اقبلوا" و "اجعلوا" وما إلى ذلك ممّا يجري على اللسان الحاكم على الرواية؛ فهذا بمعنى الأمر للمجتمع، والأمر للمجتمع هو في حد ذاته شبيه بالأمر للفرد عندما يقال "توضأوا" فهو أمر بالطبيعة، أي أمر بصرف الوجود، وليس أمراً شمولياً بحيث يقال اجعلوا من الجميع أولياء؛ إذْ لا يمكن جعل الجميع أولياء، بل واحد فقط، فالأمر يكون بدلياً عندما لا يكون شموليّاً. أو بتعبير السادة الأصوليين: عندما يكون الأمر بدلياً فإن اختياره يكون بيد المكلف؛ فلو كان المكلف فرداً ثبت التخيير الفردي، ولو كان المكلف مجتمعاً ثبت التخيير الاجتماعي، ولا يمكن أن يكون للتخيير الاجتماعي معنى سوى رأي الأكثرية. فما معنى التخيير الاجتماعي؟ وكيف يخيَّر المجتمع؟ إنه لا شيء سوى تخيير الأكثرية.
****************************************
تابعوا الجزء الخامس من الحوار مع سماحة السيد الحائري ونقاش حول إختلاف الفقهاء في ولاية الفقيه