الولاية والحكومة في الإسلام
حوار مع آية الله السيد كاظم الحائري
بسم الله الرحمن الرحيم
ـ ما هو تعريف السياسة والحكومة من وجهة نظر الاسلام ولا سيما الامامية؟ وهل هناك فرق في هذا المجال بين وجهة نظر الاسلام والمذاهب الأخرى فيما عدا الأهداف؟
ـ آية الله الحائري: بسم الله الرحمن الرحيم. تعتبر الاجابة عن هذا السؤال صعبة إلى حد ما. ولأن الامامية لم يكن لهم تدخل في الحكومة عملياً بعد الأئمة المعصومين(ع) فان تعريف الحكومة ليس بالأمر الهيّن. ولا شأن لنا بالحكومات الشيعية التي كانت قائمة في ايران لأنها لم تكن إسلامية بذلك المعنى، كما لا شأن لنا بالحكومات السنية في العصر العثماني وما إلى ذلك؛ فالإمامية لم يعرفوا الحكومة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة بعد الامام الحسن(ع). كما أن هذا الموضوع لم يكن يُطرح في الابحاث والكتب العلمية. وعندما كان يطرح أحياناً فانه كان يأتي بشكل ثانوي كتلك الابحاث الجانبية التي كان يحررها المرحوم الشيخ، وربما كانت أبحاث المرحوم النراقي الواردة في (عوائد الأيام) من أوسع الأبحاث التي رأيتها للقدماء حول ولاية الفقيه. وبعد ذلك فإن أوسع بحث شاهدته هو بحث المرحوم آية الله الشاهرودي في النجف؛ وفي رأيي فإنه خاض بحث ولاية الفقيه بمناسبة إثبات الهلال عندما كان يزاول بحثه في كتاب الحج. ثم يأتي من بعد المرحوم الشاهرودي الامام(ره ).
ـ ماذا كان رأي آية الله الشاهرودي؟
ـ آية الله الحائري: كان يقول بولاية الفقيه.
ـ أي الولاية المطلقة بالمعنى الشائع اليوم؟
ـ آية الله الحائري: نعم.
ـ وهل طُبعت أبحاث آية الله الشاهرودي؟
ـ آية الله الحائري: كلاّ، إنها لم تطبع. ولكني كنت قد حررت بحثه آنذاك. وعلى أية حال، فان أول بحث مفصل رأيته للمتأخرين هو بحث سماحته، ثم جاء سماحة الامام(ره ) وطرح بحث ولاية الفقيه، وهو البحث المطبوع الذي بين أيدينا الآن.
وعلى كل حال فإن بحث المرحوم النراقي في (عوائد الايام) هو أكثر الأبحاث تفصيلاً من بين المتقدمين، وفي نفس الوقت فإن كافة هذه الأبحاث لم تكن وافية حول الحكومة، بل كانت تتركز في مجملها حول ولاية الفقيه.
ـ وكيف هي أبحاث المرحوم المحقق النائيني؟
ـ آية الله الحائري: هي جيدة، ولكنها في تقديري أيضاً ليست بالمعنى الكامل للكلمة، أي أن سماحته في ذلك التاريخ وفي تلك الحقبة من الزمان قصر بحثه على شكل حكومة المشروطة على ما كان سائداً آنذاك. ولقد كان بحثه مفيداً ونافعاً وبعيد النظر ويتسم بالجودة، سوى أنه كان ناظراً إلى شكل الحكومة بالصورة التي كانت سائدة في ذلك الزمان، ولربما لم يكن باللإمكان أفضل مما كان يومذاك، ولكن كيف حدث وجاء بحثه بهذا الشكل المفصل؟ لا أدري، غير أن بحثه كان مشتملاً على مضامين جيدة للغاية بمقارنته مع ذلك الزمان. ومع ذلك فاننا لا نستطيع القول بأن هذا هو رأي الامامية حول الحكومة وننسب إلى مذهبهم مثل هذا التعريف. فلم يكن لدى علماء الامامية شيء لننسبه إليهم. وعلى هذا فإنه لا يمكن التركيز أكثر إلاّ على كلمة الاسلام، لأن الاسلام لديه ما يقال في رأيي حول هذا الموضوع، وهذا ممّا لا شك فيه عندما يتعلق الأمر بالحكومة. ولكن ماذا يقول مذهب الامامية؟ فمن الممكن أن تكون ثمة آراء مختلفة. وعلى أية حال، فانني سأشير على هذا المنوال إلى وجهة نظر الاسلام حول الحكومة: إننا لو أردنا أن نعرّف الحكومة، فلابد لنا أن نعرف بشكل شامل بحيث يجمع مختلف الآراء إلى حدّ ما، وبحيث يقبله القائلون بولاية الفقيه، والذين لم يقبلوها أيضاً، وكذلك أنصار المشروطة. فإذا أردنا قول شيء من هذا القبيل، فلابد لنا شئنا أم أبينا أن نقول: إن الحكومة الاسلامية تلك الحكومة القائمة على أساس الأحكام الاسلامية. ولقد كان هناك تعبير سائد في مدينة قم قبل انتصار الثورة، وكان هذا التعبير رائعاً ويجري على ألسنة العامة في الطرقات، وكنت أحبه كثيراً؛ فلقد كانت المسيرات المضادة للشاه تطلق الشعارات وتقول: (حكومة إسلامية، قوانين قرآنية، قيادة خمينية)! وكان هذا التعبير أجمل تعبير في ذلك الوقت. أي أنه يمكننا القول بأن الحكومة الاسلامية بمعناها الشامل هي تلك الحكومة التي تستمد قوانينها من القرآن ونظامها من الاسلام. أي الحكومة التي تتميز بالعدالة، بخلاف تلك الحكومات التي لديها برلمانات نيابية، وهذه البرلمانات هي نفسها التي تشرع القوانين وتسنها.
إن لدينا ـ نحن أيضاً ـ مجلساً نيابياً، ولكن هذا المجلس لا يسنّ القوانين الأصلية والأساسية، ولكنه يسن بعض البنود الثانوية التي لابد وأن يصادق عليها الولي الفقيه. على أن الأمر يختلف عن ذلك في البلدان الأخرى؛ ففي الدول غير الاسلامية يقوم المجلس أو البرلمان بوضع القوانين من حيث المبدأ، ولكن الأمر بخلاف ذلك في الاسلام.. إن قوانين الحكومة الاسلامية قد شرّعت سلفاً، سوى بعض الجزئيات التي يضيفها المجلس بمصادقة من ولاية الفقيه. فلابد وأن يكون الحكم والحكومة على أساس القوانين السماوية والإلهية التي نزل بها الوحي. وليس هناك ما هو اوضح من ذلك على ما أعتقد.
نعم، ولربما يسأل البعض: فما هو رأيكم؟ فانني أقول: حسناً، إن رأينا هو القول بولاية الفقيه… فهل تقبلون بالولاية المطلقة أو لا؟ فأقول: هذا ما يتوفر المرء على شرحه وتوضيحه. ولكن ما هي السياسة والحكومة من وجهة نظر الاسلام أو الامامية؟
فلا أعتقد أن ثمة جواباً أوضح وأفضل من ذلك عن هذا السؤال.
ـ فلو أردتم تعريف الحكومة الاسلامية انطلاقاً من رأيكم هذا، فماذا تقولون؟
ـ آية الله الحائري: إن ما فهمته من الأدلة هو (ولاية الفقيه المطلقة) وحتى إنني أعتقد بأن كافة التصرفات على شتى الأصعدة لابد وأن تكون بأمر من الولي الفقيه، فيما عدا صلاحيات نفس الولي الفقيه. أي أن هناك ثلاث مسائل:
1 ـ ولاية الفقيه.
2 ـ الصلاحيات التي تتم تحت نظر الولي الفقيه.
3 ـ صلاحيات الولي الفقيه.
وإن ما توصّلت إليه من ظاهر الأدلة فهو الولاية المطلقة، وبنفس تلك الصورة التي قال بها الإمام.
ـ ثمة تفسيرات متعددة لنظرية الولاية المطلقة التي يقول بها سماحة الإمام (قدس سره)؛ فطائفة ترى أن ولاية الفقيه تكون في مجال المسائل الفرعية، في الأحكام العامة دون الخاصة، فلها حق التصرف في هذه الأمور بشرط مراعاة المصالح العامة. ولكن الولي الفقيه ليس له حق التصرف في هذه الأمور فيما إذا كانت متعلقة بالمصالح الشخصية للأفراد دون المصالح العامة. ويضربون على ذلك مثالاً فيقولون بأنه ليس للولي الفقيه أن يأمر شخصاً بالزواج أو الطلاق أو شراء مال أو بيعه. فهذه من الأمور الشخصية؛ فليس بإمكان الولي الفقيه إلاّ التدخل في القضايا العامة فحسب، آخذاً بالاعتبار مراعاة الصالح العام. فما هو رأي سماحتكم في ذلك؟
ـ آية الله الحائري: نعم، لقد قلنا بأن لدينا ثلاثة أشياء: ولاية الفقيه، وصلاحيات الولي الفقيه، والصلاحيات التي تتم تحت نظر الولي الفقيه. فلأوضح أولاً ولاية الفقيه:
انني أفهم الأمر هكذا، ولندع الأدلة الآن لأنها متشعّبة.. إن ما فهمته هو أن كل الموجودات بما فيها البشرية وغير البشرية تلك التي تتعلق بالوجود البشري مما يعتورها النقص وليس لها "ولي" خاص، فان وليها هو الفقيه. ثم إن تعبير (يعتورها النقص وليس لها ولي خاص فوليها هو الفقيه) يأتي على عدة صور:
1ـ الأشخاص الذين يعتورهم النقص من قبيل اليتيم والمجنون والأمور التي تسمى بالحسبية، فالإمام لم يرد إخراجها من تحت الولاية بالتأكيد، فسماحته لم يقصد هؤلاء وكذلك الجمادات كالمسجد وغيره مما يحتاج إلى ولي ولكن لم يتعين له ولي.
2 ـ أمور الناس والمجتمع، والدليل على ذلك هو أن المجتمع يتعرض دائماً للنقص. ولنفترض أن هناك مجتمعاً يتألف كله من العباقرة؛ وطبعاً ثمة فرق بين الفرد والمجتمع، والدليل على ذلك أن الفرد ما لم يكن مجنوناً أو سفيهاً أو يتيماً، فلا نقص فيه.
إننا نفهم دلالة دليل ولاية الفقيه غير المعصوم من الظاهر العرفي (ولا شأن لنا بالمعصوم) على أن الغرض من الولاية هو التغلب على نقص المولَّى عليه؛ فالولاية ليست أمراً شبهاً بمالكية المالك والمملوك؛ فلو افترضنا أن المولّى عليه ليس ممن يشوبهم النقص، أي ليس سفيهاً ولا مجنوناً ولا يتيماً وما إلى ذلك، فإنه لا نقص فيه حتى يملأه الولي. ولكننا لو وضعنا هذا الفرد في مجتمع كله من عباقرة الزمان ولا نقص فيه مطلقاً على وجه الافتراض، فإن هذا المجتمع بما هو مجتمع لن يستطيع إدارة شؤونه ما لم يكن له وليّ، وذلك لأن أي مجتمع لا يخلو من الاختلاف وتضارب الآراء ووجود الظالم والمظلوم شئنا أم أبينا. فهذا المجتمع الذي يُعتبر أفراده جميعاً من نوابغ الزمان ولا نقص فيهم سيطاله النقص الذاتي بصفته مجتمعاً، ولن يكون له قوام بلا وليّ؛ إذْ إن تعارض الآراء ووجود الظالم والمظلوم واختلاف وجهات النظر كلها من الأمور الطبيعية ولا مندوحة لنا في ذلك.
*********************************************
تابعوا القسم الثاني من الحوار ومزيد من الأسئلة الساخنة