السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نتواصل معكم مع الشق الثالث والأخير من الحوار مع سماحة الشيخ نعيم قاسمالشق الآخر في الأسئلة يتعلق بالجهاد
ما هي أشكال الجهاد ؟
عندما نتحدث عن الجهاد إنما نتحدث عن مضمون واسع جداً ، فالجهاد كما ورد في التعريفات اللغوية بذل الجهد واستفراغ الوسع في مواجهة العدو ، ويطلق ايظا على المدافعة ليتوسع ليشمل الشيطان ،أي ان الإنسان يجاهد نفسه في مواجهة الحرام ويواجه العدو لذي يتصدى له ليدفع عنه العدوان ويواجه المغريات التي تأتيه بمحرمات خارجية حتى لا يقع فيها ويخالف الوضع الشرعي ، فالجهاد في الواقع هو عنوان واسع جدا ولذا ذكر في الآية الكريمة التعبير القرآني :" وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل" فإذا الجهاد هو أمر واسع يشمل تطبيق أحكام الشريعة هذا يتطلب أن نجاهد النفس من انحرافاتها ونجاهد العدو في عدوانه وظلمه ونجاهد تجاه الشهوات ،يعني أن نواجه كل ما يمكن أن يبعدنا عن الشرع المقدس سواء كان بالطريقة النفسية أو الطريقة العملية ،بالطريقة المادية أو العسكرية كل هذا اسمه جهاد ،حتى أن الله تعالى يقول في القرآن الكريم :" يا أيها الإنسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه :"يعني ان طبيعة الحياة هي طبيعة معاناة ومواجه يعني كل شيء يتطلب منا التعب ، وهذا الجهد عندما يكون في اتجاه الهدف السليم يسمى جهاداً ،أما أشكال الجهاد ، نحن نعتبر ان التقسيم الإجمالي للجهاد المعتمد ،هو التقسيم التالي : جهاد أصغر وجهاد أكبر .
- الجهاد الأكبر هو جهاد النفس ،أي المجاهدة التي تحصل داخل عقل ونفس الإنسان ليمتنع عن أي محرم وعن أي أبعاد عن خط الطاعة لله تعالى .
- أما الجهاد الأصغر فهو القتال ضد الأعداء بطريقة عسكرية مباشرة مما يدل ان الجهاد الأكبر هو واسع جداً في نواحي حياة الإنسان كافة الشخصية والعامة ،واما الجهاد الأصغر فهو قتال العدو المباشر ، وقد ورد عندنا في الروايات أن سرية من سرايا المسلمين كانت تقاتل وعادت فاستقبلها رسول الله (ص) ووقف خطيباً بهم قال :مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر " قالوا وما الجهاد الأكبر يا رسول الله (ص) قال (ص) : جهاد النفس ،أي ان قتالهم كان جهاداً أصغر لأنه عمل محدود وصحيح ان فيه تزكيه للنفس ولكن لولا الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس وحسن اختيار طريق الشريعة المقدسة بعد معاناة ومعاندة ومواجهة للمغريات ومواجهة للانحراف لما وصل الإنسان الى درجة يقدم نفسه ويقاتل ولذا اعتبر القتال جهادا أصغر لانه نتيجة لهذه المعاناة النفسية وهذا القرار الاستراتيجي في اختيار الشريعة المقدسة
ما هي الوسائل المتبعة لاقامة الحكم الإسلامي ؟ إذا لم تكن الظروف مؤاتيه لإقامة حكم في لبنان ما السبل والوسائل لتعزيز أقامته؟
الحكم الإسلامي يقوم بالقناعة به ،إذا توفر مجموعة كبيرة من الناس تؤمن بالحكم الإسلامي وكان هناك قيادات تؤمن بالحكم الإسلامي فعادة الأكثرية هي التي تجذب الأمور باتجاه إقامة الحكم الإسلامي بوسائل الإقناع وبوسائل الاختيار لأنه قد ورد في القرآن الكريم " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " إذا لا يمكن إقامة الحكم الإسلامي بالقوة وإنما يفترض أن يقوم بناء على الاختيار ، هذا شأن يشمل لبنان وغير لبنان ، نحن نعمل الآن في لبنان ولكن إذا لم يختر اللبنانيون الحكم الإسلامي، لا يكون هناك حكم إسلامي ،ولكن هذا لا يعني ان نكون مقتنعين بغير الحكم الإسلامي أن نعمل جهدنا فنقنع الناس سنقدم التجربة سنقدم النصيحة ونقول لهم ما في الحكم الإسلامي من خيرات وإيجابيات إذا اقتنعوا معنا طبق الحكم الإسلامي وان لم يقتنعوا نكون معذورين في عدم تطبيقه ونحاول في أدائنا وممارستنا ان نقترب من الأحكام الشرعية فلا نخالفها ،لذا السبيل المعتمد من قبلنا هو الإقناع والإقناع فقط، أما ما جرى في التاريخ من محاولات فرض لإقامة الإسلام عند بعض الشعوب وبعض الأماكن فهذه قضايا تاريخية نحن لا نؤمن بها ولا نعتقد بسلامتها وبالتالي هذا له علاقة بالرؤية والمنهج .
ما الفرق بين الجهاد الابتدائي والجهاد الدفاعي ؟
- الجهاد الدفاعي هو جهاد عن النفس والبلد والأمة عندما تتعرض لخطر خارجي واحتلال فلا بد ان تقاتل هؤلاء المحتلين لتطردهم من أرضك وبالتالي تكون بذلك قد قمت بالجهاد الدفاعي فمثلاً مواجهة إسرائيل في رأينا وتصورنا هو جهاد دفاعي لأننا ندافع عن بلدنا وأمتنا وكرامتنا وهذا حق مشروع ويستطيع الفقيه أي فقيه متصدي وخاصة الولي الفقيه ان يعطي إذنا بالجهاد الدفاعي .
-أما الجهاد الابتدائي فالمقصود به غزو بلد آخر ،يعني لو افترضنا ان بلداً ما لا يؤمن بالإسلام واعتبر البلد الآخر المؤمن بالإسلام ان المطلوب نشر الإسلام في هذا البلد الآخر،فهنا إذا كان يوجد قرار بالغزو الابتدائي او بالهجوم الابتدائي فهذا يسمى الجهاد الابتدائي، بحسب آراء أغلب فقهائنا ،يعتبرون ان الولي الفقيه وان الفقهاء الآخرين لا يحق لهم أن يقرروا الجهاد الابتدائي ، الوحيد الذي يستطيع أن يقرر الجهاد الابتدائي هو النبي أو الأمام المعصوم وطبعاً معروف أن عندنا إمام معصوم ما زال موجوداً هو الإمام المهدي الذي سيظهر في آخر الزما ن (عج) ، لكن لا يستطيع الفقهاء الآخرون أن يقرروا الجهاد الابتدائي وهو بداية غزو بلد آخر دون أن يكون هناك طابع دفاعي ورد للظلم ومواجهة للاحتلال .
أين يبدأ الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر وأين ينتهي كل منها ؟ وهل الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر حلقة مترابطة ؟
طبعاً أنا ذكرت أنها تعتبر حلقة مترابطة لان الجهاد الأكبر هو التعبئة النفسية لمواجهة كل أشكال الانحراف والتأسيس على البناء على قاعدة الإسلام والالتزام ومن ثمرات الجهاد الأكبر أن يصبح الإنسان مقتنعاً ببذل نفسه وماله قربة إلى الله تعالى وفي مواجهة الأعداء فيأتي الجهاد الأصغر كنتيجة لهذا الإيمان وهذا الالتزام فلولا الجهاد الأكبر لما كان هناك جهاد أصغر .
هل يصح أن الجهاد الأصغر هو الجهاد بالسيف أو باليد ضد عدو مرئي ؟ هل الجهاد الأكبر هو جهاد كلمة وقلب أم هو جهاد نفس فقط ؟
ذكرت أن الجهاد الأكبر هو جهاد النفس ، وجهاد النفس طبعاً سينعكس إجراءات عملية بأن يبتعد الإنسان عن المحرم بأن يدفع عنه المحرم وعادة نطلق الجهاد الأصغر فقط على المواجهة العسكرية ،كل أنواع المواجهة الأخرى لا تسمى جهاداً أصغر إنما هي جزء من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لان مثلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقول رسول الله (ص) من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ، ولو افترضنا ان هناك محرماً يرتكب أو واحداً يظلم واحداً آخر وأنا جئت لدفع هذا الشخص حتى لا يعتدي على الشخص الآخر،إذا أنا أمنع قيام هذا الشخص بالمنكر هذا لا يسمى الجهاد الأصغر ،إنما هذا جزء من الإيمان الذي نلتزم به فيدخل في تصنيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
هل نستطيع القول بأن حزب الله بين سنة 82 و 91 اعتمد الجهاد الأصغر والجهاد باليد وبين 92 و 2000 اعتمد إضافة الى الجهاد باليد جهاد الكلمة من خلال العمل السياسي والبرلماني ؟
أنا لا أعتقد ان هذا التقسيم تقسيم دقيق والسبب في ذلك ان حزب الله منذ سنة 82 اعتمد على الجهاد الأصغر في مواجهة العدو المحتل واستمر هذا الأمر الى الآن وهو ما زال مستمراً ، اذا لا زال حزب الله في جهاده الأصغر يقوم بواجبه لطرد المحتل ،اذا فان الجهاد الأصغر لم يتوقف ، نعم الحياة السياسية في لبنان لم تكن موجودة قبل سنة 90 لان المنطقة الشرقية كانت منفصلة عن الغربية وكان هناك عون وكان يوجد حكومتان تقريباً في البلد وكادت تكون الحياة السياسية معدومة في لبنان ، عندما حصل اتفاق الطائف بدأت الحياة السياسية تأخذ منحى آخر في هذه المرحلة حزب الله دخل في هذه الحياة السياسية وشارك في الانتخابات النيابية وكان له دور ، فعندما لم يبرز دور سياسي واضح لحزب الله من سنة 82 الى 90 فالسبب الأساس يرتبط بأمرين :
الأمر الأول ان حزب الله كان لا زال في طور التكوين ، والاهتمام الجهادي ضد إسرائيل كان مسلط عليه الأنظار بشكل مباشر ويحتاج الى اهتمامات استثنائية .
والأمر الثاني ان البلد لم تكن في حياة سياسية في الأصل فكيف يعمل شخص في جو لا يستقبل هذا النوع من الحياة السياسية ، ولكن من سنة 90 تطورت قدراتنا من ناحية والظروف الموضوعية أصبحت قابلة للتعاطي السياسي عموماً فعملنا بشكل عام وبدأنا نعبر بالكلمة بالموقف السياسي بالعلاقات سّمها ما شئت ، لأن كل سعي يقوم به المسلم الملتزم هو جهاد يعني ضمن الجهاد العام .
كيف ترون استمرار جهاد المقاومة بعد تحرير الجنوب ؟
نحن في الواقع لم نتكلم حتى الآن عن ما بعد تحرير الجنوب ، اعتبرنا ان المطلوب كمرحلة أولى ان ننتهي من تحرير مزارع شبعا والإفراج عن المعتقلين والأسرى وعندما يحصل تحرير كامل للجنوب اللبناني والأسرى والمعتقلين عندها سنقول كيف نتصرف فيما يتعلق بواجبنا اتجاه قضية فلسطين واتجاه الأمور المرتبطة في منطقتنا ،يعني المطلوب أن نقرر لاحقاً الأداء العملي كيف سيكون ، نعم في الإطار النظري نحن نؤمن بوجوب تحرير فلسطين إلا ان الإطار العملي مسألة مختلفة لها تفاصيل أخرى قررنا ان لا نتحدث عن الإطار العملي لما بعد الجنوب لما بعد التحرير الكامل حتى لا نحرق المراحل وحتى لا نتحدث عن أمر قبل أوانه ،سنتحدث في الوقت المناسب إنشاء الله تعالى ، ولكن في هذه المرحلة التي نحن فيها ضد إسرائيل الجهاد الأصغر موجود والجهاد الأكبر موجود لأن مزارع شبعا لا زالت محتلة ،إذا يوجد جهاد أصغر، وان أصل أيماننا يدفعنا الى ان يكون في كل حياتنا جهاد أكبر .
هل تستطيع القول بأن تجربة حزب الله الرائدة في الجهاد والمقاومة ستكون المشروع الأكبر لحزب الله يحمل على المستوى القومي والإسلامي وبالتالي الجهاد لتحرير القدس بدأ من اللحظة الأولى الاحتفال لتحرير الجنوب؟
كما ذكرت نحن لم نحدد كيف سنتعاطى مع موضوع تحرير القدس لكن كإيمان نظري نحن نؤمن بأن تحرير القدس لا يمكن ان يتم إلا بالمنهجية نفسها التي تم فيها تحرير القسم الأكبر من الجنوب وكذلك البقاع الغربي ، والتجارب تدل على ذلك والآن الفلسطينيون وصلوا الى مأزق حقيقي بعد أوسلو بسبب العناد الإسرائيلي ووصلوا الى إقامة انتفاضة الأقصى وعمليات عسكرية تقوم بين الحين والآخر وقد تتطور مسألة المقاومة عندهم الى درجة كبرى ، أنا لا أنكر انهم استفادوا مما أعطاه حزب الله من الهام بسبب أدائه في الجنوب والبقاع الغربي واضطرار إسرائيل للخروج مندحرة والانتصار الكبير الى حصل بسبب المقاومة واستعادة الأرض الذي كان ثمرة طبيعية لهذا الأداء وهذا سيشكل معلماً مهماً ، لكن كيف سيتصرف حزب الله في هذا الموضوع كما ذكرت هذا أمر لن نتحدث عنه قبل انتهاء التحرير الكامل للجنوب ،إذ نعتبر أنها مرحلة مقبلة
ولسنا مستعجلين لإعطاء موقف ميداني رسمي في هذا الأمر .
************************************ إنتهى **************************************
انتظروا الحوار القادم حول بحث أدق لمفهوم الحكومة الإسلامية وولايةالفقيه
مع سماحة آية الله السيد كاظم الحائري ( حفظه الله )
************************************************** *************