الراحل جمع بين عراقة العلم وشفافية الخلق الإنساني
د. عبدالله الغذامي*
كان الدكتور إحسان عباس واحداً من الريادات النقدية في مجالي التنظير والتطبيق في النقد العربي الحديث، وقد تنبه منذ وقتٍ مبكر إلى التجربة الشعرية الحديثة وقصيدة الشعر الحر، وكان كتابه عن «البياتي والشعر العراقي الحديث» أولَ عملٍ جادٍ عن القصيدة الحديثة، وكان نقطةَ تحولٍ كبيرٍ في موقف النقّاد والأكاديميين من شباب الشعر في ذلك الوقت. لقد كان البياتي شاباً وفي بداية طريقه فكان احتفاءُ إحسان عباس به وبالتجربة الشعرية العراقية تحولاً كبيراً من حالة عدم الاعتراف الأكاديمي والجامعي بشباب الشِعر والتجربة الحديثة، تحوّل هذا مع هذا الكتاب إلى موقفٍ إيجابي تبعته مواقف كثيرة من بينها استدعاء السيّاب إلى أمسيّة شعرية في الجامعة الأميركية في بيروت، وتلك خطوات أولى كانت بمثابة الفتح الشعري والنقدي، ولا شك أن إحسان عباس كان هو الفاعل الجوهري في ذلك، ثم توالت إسهامات وأدوار الدكتور إحسان عباس في الجامعات العربية من السودان إلى بيروت وفي المؤتمرات والندوات، وفي التأليف والترجمة والتحقيق، وفي الإشراف على الأعمال الجماعية وفي تخريج النُقاد والناقدات، وهناك أجيال متعاقبة كانت من تلاميذ وتلميذات إحسان عباس، يُضاف إلى ذلك خُلقه الراقي في التعامل الشخصي وفي الصداقات والعلاقات الإنسانية التي تشكلت حوله عبر الأجيال، فهو صديق للجميع مثلما أنه أستاذٌ للجميع، ومن النادر أن تجد شخصاً يجمع بين عراقة العلم وشفافية الخلق الإنساني، مثلما نجدها عند إحسان عباس.
ويضيف الناقد الغذامي قائلاً:
لقد عاش إحسان عُمراً ثرياً وعميقاً وجميلاً ممتلئاً بالمحبة وبالعمل، وغادرنا ونحنُ مكتنزون بالمحبة له والتقدير لأدواره، والإشادة بنموذجه الراقي والفذ، وهو ولا شك خسارة كبيرة لثقافتنا، ولن ننسى أنه أسهم إسهامات كبيرة في التعريف بالثقافة العربية لدى الجامعات والمؤسسات الأوروبية والأميركية، وهذا واحدٌ من أدوار عديدة ظلّ يُمارسها عمره كلّه، وإلى آخر أيام حياته، حيثُ كان يلتقي الناس في منزله في عمّان بالأردن، وكان المجلسُ ندوةً علميةً ثريةً وعميقة، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. وحول ما سبق وتحدث به الدكتور إحسان عباس وقوله إنه لا يوجد لدينا ناقد حداثي إلا واحد فقط، هو إدوارد سعيد، وما عداه فمترجمون، علّق الناقد الحداثي الغذامي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: إن الدكتور إحسان عباس لايقول بمثل هذا القول، وان هذا يحتاج إلى شيء من المراجعة والقراءة، مُضيفاً القول في أن النقلَ غيرُ دقيق! وحول ما أشيع من أن إحسان عباس قد فتُر حماسه تجاه القصيدة الحديثة، وأنه لم يعد مُتحمساً لها كما في بداياته، فقد نفى الدكتور الغذامي ذلك، مُشيراً إلى أنّ إحسان قد استمر داعماً ومؤازراً للقصيدة الحديثة.
______________________________
* أستاذ النقد بجامعة الملك سعود
.
.