الحيَاةُ مِنْ رَحِم ِ المَوْتِ
حقيقة مشوار دراستي لم ينته، و يمر بفترة (استرخاء) قبل البدء بمرحلتي التالية....
كعادتي كل صباح، أقفلتُ باب المنزل و خطوتُ متوكّلا على الله و ذاكراً اسمه ، متجها بعونه إلى عملي.
لا شيء يشغل بالي و لا همّ يثقل صدري، فأنا قد تخلّصتُ من المناوبات الداخلية، التي أقضي وقتي فيها محبوسا داخل المستشفى لثلاثين ساعة متواصلة... أتنقّل بين المرضى كنحلة ٍ مفجوعة بفقيدٍ ما !
هل تذكرون عدد شهادات الوفاة التي طبعتُ اسمي عليها ؟؟
يا للشؤم ! و لماذا أتذكّر شيئا فظيعاً كهذا الآن... ؟؟
فيما أنا أسير في أحد الممرات في قسمي، و إذا بي أسمع المنادي ينادي فوق الرؤوس: الشفرة الحرجة في قسم النساء و الولادة... الشفرة الحرجة في قسم النساء و الولادة... الشفرة الحرجة في قسم النساء و الولادة
يــــــــــــــا لطيف...
طبعاً آذاننا معتادة على سماع الشفرات الحرجة في الأقسام الحرجة من المستشفى، الطوارئ، وحدة الإنعاش، وحدة العناية المركزة...
أمّا في جناح النساء و الولادة... فهو أمر يثير جل فضولك و يسحبك لتستطلع بنفسك، ماذا هناك ؟؟
أفواجٌ مِنْ الأطباء و الممرضات... مختصي النساء و الولادة... مختصي التخدير و العناية المركزة.. فريق الإنعاش المناوب.. ممرضات القسم و الممرضات جارات القسم ... الكل يندفع مذهولاً إلى تلك الغرفة، التي كانتْ على سريرها الأبيض، تحتضر سيّدة ما...
تراجعتُ للوراء... فهذا المشهد يثير في نفسي ذكريات مرعبة... كما أنّ عدد الأشخاص الذين اقتحموا الغرفة إنْ لارتباطهم بالمسؤولية عنها ، أو مِنْ باب الفضول، كان كبيرا... و هو أمرٌ لا يجب حدوثه ، بل يجب أنْ يدخل الغرفة المسؤولون عن المريضة و عن الشفرة الحرجة...
عدتُ إلى قسمي المجاور (وحدة العناية المركزة للمواليد) ... متوجّساً خيفة...
يا ستّار استر !
لحظات... و إذا بزميلي يُقبل مهرولاً إلى الوحدة... يحمل في يده لفافةً قماشيةً ما... يركض بها إلى سرير الإنعاش !
لا !
لن تصدّقوا هذا...
أتدرون ما الذي كانتْ اللفافةُ تحويه بين ثناياها ؟؟
طفل ٌ خديج !
طفل ٌ ميّت... لا يتنفّس... لا ينبض... لا يتحرّك... لا يستجيب... شديد الشحوب و الزرقة...
تدافعنا نحوه بسرعة و بدأنا أنا و زملائي الأطباء عمليّة الإنعاش ...
مرّ الوقت سريعاً ... و الطفل لا يستجيب.. لقد كان ميّتا... نعم كان ميّتاً...
و لكن الله شاء أنْ يُحييه بعد بضع دقائق... فإذا بقلبه ينبض... و لونه يتغيّر...
نُقِل الطفل مباشرة إلى أحد الأسرة في غرفة العناية المركّزة و تمّ توصيله بجهاز التنفّس الاصطناعي، و أجهزة قياس النبض، الضغط، الحرارة، و الأكسجة.
بعد فترة قصيرة داهمتْ نوبات التشنّجِ الخديجَ و احتاج إلى جرعةٍ كبيرةٍ مِنْ الدواء المضاد للتشنجات، حتّى يستقر...
حالة الطفل هذه نعرفها جيّدا... و نأسف لها كل الأسف... و لا نملك أنْ نغيّر شيئاً أو نحُول دون ما ستنتهي إليه في مطلق الأحوال...
(اختناق شديد أثناء الولادة)
بعض الأطفال لا يخرجون مِنْ المستشفى أصلاً لاعتمادهم الكلّي على أجهزة التنفّس الاصطناعي.. يولدون و يموتون فيها... و بعضهم يغادرها ليشكّل العبءَ الأكبر على عائلته، كطفلٍ مُعاقٍ و عاجزٍ و متخلّف عقلياً...
لا نملك إلا أنْ نراقب... و ننتظر... و نأسف...
هذا الطفل، وُلِد ميّتاً و عاد للحياة...
و أخاله حين يكبر... سيتمنّى لو أننا لم ننعشه، و تركناه يمضي إلى ربّه...
هكذا شعرتُ و أنا أتأمّله، و أتألّم لأجله...
بقي أنْ تعرفوا...
أنّ هذا الطفل...
هو ما خرج مِنْ بطن السيّدة التي كانتْ تحتضر قبل قليل...
و التي فارقت الحياة قبل ولادته !