بسم الله الرحمن الرحيم
سوف أنقل لكم رواية تمس شجاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشخصه في معركة بدر، وسوف أنقل لكم الرد عليها من كتاب المحقق الكبير السيد جعفر مرتضى العاملي( الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم- الجزء الخامس ص: 306-309):-
النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العريش:
ويقولون : إنهم صنعوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عريشاً من جريد النخل فكان فيه وأبوبكر معه، وليس معه غيره.
ويدعون أيضاً : أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد وافق على أن يضعوا نجئب وركائب مهيأة عنده، فإن انتصر فهو المطلوب وإن كانت الأخرى ركب النجائب، ولحق بمن وراءهم من الصحابة في المدينة.( سيرة ابن هشام- مغازي الواقدي- الكامل لابن الأثير – شرح النهج للمعتزلي- السيرة الحلبية وغيرها من المصادر).
ولكن ذلك لايصح بأي وجه؛ فقد قال المعتزلي:" قلت : لأعجب من أمر العريش من أين كان لهم أو معهم من سعف النخل مايبنون به عريشاً، وليس تلك الأرض-أعني أرض بدر- أرض نخل؟ والذي كان معهم من سعف النخل، يجري مجرى السلاح يسير جداً.
قيل: إنه بأيدي سبعة منهم سعاف عوض السيوف، والباقون كانوا بالسيوف والسهام والقسي. هذا قول شاذ، والصحيح أنه ماخلا أحد منهم عن سلاح. اللهم إلا أن يكون معهم سعفات يسيرة ، وظلل عليها بثوب أو ستر، وإلا فلا أرى لبناء عريش من جريد النخل هناك وجهاً".( شرح النهج للمعتزلي ج14 ص118).
ونقول:-
أولاً:- إن ماذكره من وجود السلاح مع المهاجرين لايمكن قبوله.
فقد تقدمت النصوص التي تتحدث عن مستوى تسلحهم، وليس فيها ماذكره المعتزلي. والظاهر هو أن عدداً منهم كان مسلحاً بالقسي، كما يدل عليه أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم برمي المشركين بالنبل إذا أكثبوهم. ولعل بعضهم كان معه رماح، والبعض الآخر عصي، وفريق كان لديه سيف،أو حربة، وفريق آخر كان معه سعف النخل، يدفع بها عن نفسه، ويهاجم العدو بها إن وجد فرصة لذلك.
وثانياً:- إن استدراكه الأخير في غير محله؛ فإن السعفات الظلل عليها بالثوب يقال لها: خيمة، وليس عريشاً، بل لايقال لها خيمة أيضاً، كما يرى البعض. كما أن ماذكره من عدتهم وسيوفهم محط نظر يعرف مما تقدم.
ونضيف نحن هنا:-
أولاً:- إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لايمكن أن يفر من الزحف.
وثانياً:- قوله صلى الله عليه وآله وسلم:" اللهم إن تهلك هذه العصابة لاتعبد"- وهو مانقله مختلف المؤرخين- يكذب أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد الفرار على نجائبه، لو ربح المشركون هذه الحرب. إذ إن الله تعالى لايمكن أن يعبد في الأرض حتى لو رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل المدينة؛ فكيف يقول ذلك ثم يقدم على تصرف كهذا؟!
وثالثاً:- لو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خسر حرب بدر، فلن يتركه المشركون ينجو بنفسه منهم؛ ولن يُعطوه الفرصة ليجمع لهم الجموع من جديد!. ولسوف لن يتركوا مهاجمة المدينة، والقضاء على مصدر متاعبهم فيها. وهم الآن بالقرب منها، ويعيشون نشوة النصر والظفر، ومعهم جيش على أحسن مايرام في عدده وفي عُدّته.
ورابعاً:- كيف يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد اتخذ العريش مكاناً له، وحرسه الحراس فيه، وهم يقولون: إنه صلى الله عليه وآله وسلم رُؤي يوم بدر في أثر المشركين مصلتاً سيفه، يتلو قوله تعالى:{سيهزم الجمع ويولون الدبر}.( تاريخ الطبري ج2ص172)
ويقولو ن أيضاً: إنه قد اشترك في حرب بدر بنفسه، وقاتل بنفسه قتالاً شديداً.( السيرة الحلبية ج2ص123و167).
ومما يدل على اشتراكه في الحرب أيضاً، قولهم: كان ثمة يوم بدر رجال يقاتلون، واحد عن يمينه ، وآخر عن شماله،وثالث أمامه، ورابع خلفه.(مغازي الواقدي ج1ص78).
ويوون عن علي عليه السلام أيضاً قوله: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان أشد الناس بأساً، وماكان أحد أقرب إلى المشركين منه.(تاريخ الطبري-السيرة الحلبية-البداية والنهاية –حياة الصحابة ).
إذن فلا بد أن نسأل: أين كان أبو بكر آنئذ؟ أمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ساحة القتال؟ أم في العريش وحده، ليكون في موقع القائد والرئيس كما يريد الجاحظ حسبما يدعي؟
وخامسا:- إنه إذا لم يكن معهم سوى فرس المقداد، فمن أين جاءت النجائب المعدة لفرار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! ولماذا لم تشارك في الحرب، للدفاع عن الدين وعن المسلمين؟
إشارة:-
ولو فرض صحة الحديث المتقدم المروي عن علي عليه السلام، فلا بد أنه كان يتحدث عن غيره لا عن نفسه، لأن علياً لم يكن يخشى المشركين، ولم يكن يحتاج إلى ملجأ يحميه منهم. كيف وهو الذي قتل أكثر من نصف قتلى المشركينفي بدر؟ وشارك في النصف الآخر كما سنرى؟
ويكون قوله عليه السلام ذلك من نظير أن يقول شخص مثلاً: إننا في بلادنا نأكل كذا، أو نلبس أو نصنع الشيء الفلاني. مع أن هذا القائل لم يأكل، أو يلبس، أو لم يصنع ذلك الشيء شخصياً أبداً.
أرجو المعذرة على الإطالة منكم جميعاً وأتمنى أن تستفيدوا من هذه النقطة الجميلة.
أخوكم الأصغر طالب الغفران.