<span style='color:darkred'>القصائد الذاتية
ونقصد بالقصائد الذاتية تلك التي تعكس لنا شخصيَّته بكل ما فيها من تناقضات وتجاوزات،دون مواربة أو تزييف،فتخرج من خلال ذلك بصورة حقيقية لشخصيته
،فعندما تقرأ ديك الجن في قصائده الذاتيَّة وخاصَّة في نظرته إلى الحبِّ فهو القائل :
[poet font="Simplified Arabic,5,darkblue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
لاوحبِّيكَ ما مللتُ سقاماً=لكَ فيه من مقلتيك نصيبُ
كلُّ شئٍ وإن أضرَّ بجسمي=لكَ فيهِ الرِّضى إليَّ حبيبُ
[/poet]
فهذا التَّعميم ( كلُّ شئ إليَّ حبيب ) مربوط برضى محبوبته،لكنَّه في بعض حالاته الشِّعرية يصل إلى حبِّ أوسع وأشمل بلا قيود أو شروط إذ يقول :
[poet font="Simplified Arabic,5,darkblue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
حدُّ ما ينكحُ عندي= حيوانٌ فيه روحُ
أنا من قولي مليحٌ=أوقبيحٌ مستريحُ
كلُّ مَن يمشي على (م) =وجه الثَّرى عندي مليحُ
[/poet]
هذه النَّظرة إلى الحبِّ والجمال يكاد ينفرد بها ديك الجن في تراثنا الشعري ،فكثيراً ما نرى الشعراء يعللون حبهم ويجعلونه في نطاق الأشياء الجميلة فقط،ويحصرونه فيمن يحبونه،أمَّا شاعرنا فلم يحصر الجمال والحب في شخص واحد،بل سكبهما في هذا الوجود بكل ما فيه من تباين واختلاف،ويبدو أنَّه ينطلق من ارتياحه النَّفسي لكل ما حوله في فترة من فترات عمره ( لعلَّها فترة الشباب )،فهو - كما عرف عنه - منغمسٌ في الملذات واللَّهو والمجون،وقد صرَّح عن نفسه حين تمنَّى عودة الشباب إليه بقوله :
[poet font="Simplified Arabic,5,darkblue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
للهِ دَرِّي في الشَّبيبةِ من أخي لهوٍ أريبِ
أيَّامَ يحملني الشبابُ على التَّهاونِ في الذنوبِ
[/poet]
فمن الطبيعي أن يرى الحياة كلَّها سعادة فهي ضاحكة في وجهه لما هو فيه من النعيم والرخاء والترف،فأسرته ميسورة الحال إضافة إلى طبيعة حمص وبساتينها الخلابة،كل ذلك انعكس على مساحة كبيرة من نفسه فتكونت لديه هذه النظرة المطلقة للجمال والعشق اسمعه يقول :
[poet font="Simplified Arabic,5,darkblue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
أعشق المردَ والنَّكاريش والشِّيب (م)=وعندي مثل البنين البناتُ
حدُّ ما يُشتهَى ويُعشقُ عندي=حيوانٌ تحلُّ فيه الحياةُ
[/poet]
قد تضحك لهذه النظرة المغايرة للحب والجمال،إلاَّ أنَّها نظرة لاتتعب صاحبها
،وهذه هي فلسفة الشاعر في عشقه التي عبَّرت من واقعه الذاتي،فهو يريده عشقاً شاملاً؛ليضمن سعادته وتفاؤله بالحياة فيعيش بلا كدر.
إلاَّ أنَّ هذه النظرة لم تستمر معه طيلة حياة فقد رسم لنفسه صورة بشعة فهو القائل :
[poet font="Simplified Arabic,5,darkblue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
أيها السائل عني=لست بي أخبر مني
أنا إنسان براني (م)=الله في صورة جني
بل أنا الأسمج في(م)=العين فدع عنك التظني
أنا لاأسلم من نفسي (م)=فمن يسلم مني ؟!
[/poet]
يبدو أنَّ الحياة لم تعد كما كانت عليه لدى شاعرنا،فتغير نظرته من العشق المطلق إلى هذه الصفة ( فمن يسلم مني ) التي توحي بأن الشاعر أخذ يهجو الآخرين ويذمهم،فإذا نفسه لم تسلم من لسانه فكيف بالآخرين .
ويشطح الشاعر أكثر بسبب انغماسه في الملذات فيأتي بكلام لايؤمن به ولا يعتقد فيه،ولو كان في غير لحظة اللهو والمجون لما قال مثل هذا الشعر الذي نسب إليه :
[poet font="Simplified Arabic,5,darkblue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
أأتركُ لذةَ الصهباءِ عمداً = لما وعدوه من لبنٍ وخمرِ
حياةٌ ثمَّ بعثٌ ثمَّ موتٌ=حديث خرافةٍ ياأمَّ عمرِو
[/poet]
وهو القائل في حالة أخرى :
[poet font="Simplified Arabic,5,darkblue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
هي الدنيا وقد نعموا بأخرى= وتسويف النُّفوس من السوافي
فإن كذبوا أمنتُ وإن أصابوا=فإنَّ المبتليكَ هو المعافي
وأصدق ما أبثـكَ أنَّ قلبي=بتصديق القيامة غير صافِ
[/poet]
هل من عذر نلتمسه للشاعر على هذه الجرأة ؟ لاأظن . ولكن لنعتبر جرأته - على الأقل - أنها تمثل لحظة ما تصيب الإنسان في فترة من فترات عمره ( حالات الشكوك والأسئلة الغيبية التي تساور كل شخص )، وديك الجنِّ تجرَّأ وسجل تلك اللَّحظة العابرة شعريَّاً،بغضِّ النظر عن معتقده الديني الثابت .
ولنا عودة أخرى للعوم في قصائده !! .</span>