ديك الجن الحمصي ( وليس الطرفاوي )
( استنادا إلى كتاب الأغاني )
رقيق الشعر دقيقه ، يتصبب البيان من أبياته شلالا على صخر صلد فيلينه ، اصطاد من شوارد القول أنفسها جواهرا قلّدها جيد العربية ، ظريفٌ نادم الأمراء فحظي بإعجابهم ، فيه مجون طغى في شعره حتى وضعه في صفوف الشعراء الماجنين أمثال ( أبي نواس ) و ( الحسين الخليع ) وغيرهما. وإليكم نبذة مختصرة عن حياته .
لقبه وسببه :
غلب عليه لقب ( ديك الجن ) لأن عينيه كانتا خضراوين ( استنادا إلى وفيات الأعيان ) وهناك من له رأي آخر في سبب تلقيبه بهذا اللقب وهو أنه قال بيتا ذكر فيه الديك والجن ولكني لا أستحضره للأسف.
إسمه :
عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبدالله بن رغبان بن يزيد بن تميم.
قول :
يقول صاحب الأغاني أنه كان شديد التشعب والعصبية على العرب والتشعب هنا من ( الشعوبية ) وهي فرقة تنكر تفضيل العرب على غيرهم وتحاول الحطّ من قدرهم.
رأي :
لا أدري لماذا يسخر قلم لرمي ديك الجن بالشعوبية _ وهذا غير مقطوع فيه_ بينما لا يُتهم بها من هو أبرز شعراء عصره وهو ( أبو نواس ) وقد كان أحق بها إذ قال في داليته الشهيرة ( عاج الشقي ) :
[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
قالوا ذكرت ديار الحي من أسد=لا درّ درّك قل لي من بنو أسد
ومن تميم ومن قيس ومثلهما=ليس الأعاريب عند من أحد
[/poet]
قول ابن أخيه فيه :
قال أبو الفرج نسخت هذا الخبر من كتاب لـ ( محمد بن طاهر ) أخبر بما فيه ابن أخ لديك الجن يقال له ( أبو وهب الحمصي ) قال :
كان عمي _ أي ديك الجن _ماجنا معتكفا على اللهو واللعب متلافا لما وردث عن آبائه.
خبر ديك الجن وابن عمه :
كان لديك الجن ابن عم يُكنّى ابا الطيب يعظه وينهاه عن ماجن أعماله فأثقل عليه إلى حدّ أنه هجم عيه وعنده قوم من السفهاء وأهل الخلاعة والمجون فاستخف بهم وبه فكثر ذلك على ديك الجن فهجا ابن عمه هذا بقصيدة طويلة مطلعها :
[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
مولاتنا يا غلام مبتكره=فباكر الكأس لي بلا نظره
[/poet]
ومن قصيدته في ابن عمه :
[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
يحمل رأسا تنبو المعاول عن=صفحته والجلاقة الوعره
لو البغال الكُمت ارتقت سندا=فيه لمدت قوائما خدره
[/poet]
ومنها قوله أيضا :
[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
يا كل مني وكل طالعة=نحس ويا كل ساعة عسره
سبحان من يمسك السماء على الـ=أرض وفيها أخلاقك القذره
[/poet]
قصته الشهيرة مع زوجته ( وِرْد ) :
يروي صاحب الأغاني أن ديك الجن اشتهر بحب جارية نصرانية من أهل حمص ، فدعاها إلى الإسلام ليتزوج بها فأجابته لعلمها برغبته فيها فأسلمت على يده وكان اسمها ( وِرْد ) ، وفيها يقول :
[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
أنظر إلى شمس القصور وبدرها=وإلى خزاماها وبهجة زهرها
لم تبلُ عينك أبيضا في أسود=جمع الجمال كوجهها في شعرها
[/poet]
قال وكان قد ضاق حال ديك الجن ونفد ما كان يملك من مال ، فرحل قاصدا ( أحمد بن علي الهاشمي ) يمدحه لعله يحظى بالمال من عنده فأقام عنده مدة طويلة وكان ابن عم ديك الجن السالف ذكره قد حمل بغضا على شاعرنا بعد أن هجاه كما أوردنا فدبّر مكيدة أن ذاع على زوجته ( وِرْد ) أنها تهوى غلاما له ( أي لابن عم الديك ) وقرّر ذلك على جماعة من أهل بيته وجيرانه فشاع الخبر حتى وصل إلى ديك الجن فقفل راجعا بعدما استئذن ( أحمد الهاشمي ) بقصيدة يخبره فيها عما سمعه كان أولها :
[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
إن ريب الزمان طال انتكاثه=كم رمتني بحادث أحداثه
[/poet]
فلما رجع ديك الجن إلى حمص كان ابن عمه قد أوكل له قوما يرصدونه ويخبروه بمجيء الديك ، فلما دخل الديك حمصا أتاه ابن عمه معنفا ومنكرا عليه وناصحا له بأن يطلق زوجته وكان قد دسّ الغلام الذي اتهمه بها أنه إذا دخل الديك منزله أطرق الباب وقل أنا فلان ليتأكد الخبر فلما دخل الديك منزله سأل زوجته عن الخبر وشدّد عليها فأجابته إجابة من لا يعرف من القصة شيئا ، وفي هذه الأثناء طرق الغلام البقاب فقال ديك الجن من الطارق فقال أنا فلان فصاح بها يا زانية وامتشق سيفه فضربها به حتى قتلها وقد في ذلك :
[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
ليتني لم أكن لعطفك نلتُ=وإلى ذلك الوصال وصلتُ
[/poet]
ثم مكث ديك الجن بعدها في سوداوية حالكة لا يروق له طعام ولا شراب وكأن بريق الدنيا قد خبا في عينيه باكيا عليها وعلى تضييع حبه بقية عمره حتى صار جل شعره بعد أن قتلها مقتصرا على رثائه لها ومن أعذب المراثي تلك المرثية التي تقطر بالأسى ولعمري أنها من أحسن ما قرأت في الرثاء وهي :
[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
يا طلعة طلع الحِمام عليها=فجنى لها ثمر الردى بيديها
روّيتُ من دمها الثرى ولطالما=روّى الهوى شفتيّ من شفتيها
أحكمت سيفي في مجال خناقها=ومدامعي تجري على خديها
فوَحق نعليها وما وطئ الحصى=شيءٌ أعزّ عليّ من نعليها
ما كان قتليها لأني لم أكن=أبكي إذا سقط الغبار عليها
لكن ضننت على العيون بحسنها=وأنفت من نظر الحسود إليها
[/poet]
إضاءة :
يقول أبو الفرج في أغانيه أن ديك الجن كان يتشيع تشيعا حسنا وله مراث ومبكيات في الإمام الحسين ( ع ) منها ما مطلعها :
[poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
يا عين لا للقضا ولا الكتبِ=بُكا الرزايا سوى بُكا الطرب
[/poet]
وفي الختام أرجو أني كنت وفقت في تسليط ضوء ضئيل على حياة هذا الرائع الذي سلبه التاريخ الأدبي حقه
أخوكم / أحدهم