اللهم صل على محمد وآل محمد وأرحمنا بهم ياكريم ياأرحم الرحمين
نعزي صاحب العصر والزمان( عجل الله فرجه يالله) و العلماء الأعلام والمراجع العظام و الأمة الإسلامية جمعاء بذكرى وفاة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه واله وسلم
وهل عدلت يوما رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد
تقطع فيه منزل الوحي عنهم ... وقد كان ذا نور يغور وينجد
يدل على الرحمن من يقتدي به ... وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا ... معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا
عفو عن الزلات يقبل عذرهم ... وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله ... فمن عنده تيسير ما يتشدد
فبينا هم في نعمة الله بينهم ... دليل به نهج الطريقة يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى ... حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثنى جناحه ... إلى كنف يحنو عليهم ويمهد
فبينا هم في ذلك النور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى الله راجعا ... يبكيه حق المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لِـغـَيْبة ما كانت من الوحي تعهد
في اوائل السنة الحادية عشرة للهجرة او في اواخر السنة العاشرة بعد رجوعه من الحج وقعت المصيبة الكبرى والداهية العظمى في وفاة خاتم الانبياء محمد المصطفى صلى الله عليه واله وسلم وذلك في يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر صفر ، وكان عمره الشريف : ثلاث وستين سنة .
عاش في مكة ثلاث وخمسين سنة ، ونزل عليه الوحي وعمره اربعين سنة ثم هاجر الى المدينة المنورة فاقام فيها عشر سنين ، وبعدها فاضت روحه الطاهرة وراسه في حجر علي بن ابي طالب عليه السلام .
وقد روى كلا الطرفين ـ الشيعة والسنة ـ انه لما قربت من النبي صلى الله عليه واله وسلم الوفاة كان يوصي الناس بوصاياه ويحثهم على وحدة الكلمة وعدم الاختلاف بعده ، وطلب منهم التمسك بكتاب الله والعترة الطاهرة والسنة النبوية وطلب منهم عدم الابتعاد والتفرق عن الكتاب والعترة وقال لهم لا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم .
وقال لهم :
ايها الناس لا الفينكم بعدي ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فتلقوني في كتيبة كبحر السيل الجرار ، الا وان علي بن ابي طالب اخي ووصيي يقاتل بعدي على تاويل القران كما قاتلت على تنزيله . وكان يكرر هذا الكلام في اكثر من مجلس ، وكان يوصي علي عليه السلام ويسره في وصاياه .
وعندما اشتد برسول الله صلى الله عليه واله وسلم المرض وفي اخر ايامه وبينما كان الناس مجتمعين حوله اخذ يؤكد على تجهيز جيش اسامة ، والتفت الى عمر وابابكر وبعض المسلمين وقال لهم : الم امركم ان تنفذوا جيش اسامة ؟ فقالوا : بلى يا حكم ومواعظ من حياة الانبياء - الجزء الاول 48
رسول الله ، قال : فلم تاخرتم عن امري ؟! ثم قال صلى الله عليه واله وسلم : نفذوا جيش اسامة وكررها ثلاث مرات ، وقال : لعن الله من تخلف عن جيش اسامة ثلاث مرات . ثم اغمي عليه من التعب والاسف ، فبكى المسلمون الذين كانوا حوله ، وبعد ذلك افاق فنظر اليهم وقال :
(ائتوني بدواة وكتف لاكتب اليكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا) .
فقام بعض من حضر يلتمس دواة وكتفا فقال له عمر : ارجع : فانه يهجر !! فرجع ، وحدث فيما بينهم شجار واخذوا يتلاوموا بينهم وقالوا : انا لله وانا اليه راجعون لقد اشفقنا من خلاف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .
فلما افاق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال بعضهم : الا ناتيك بدواة وكتف يا رسول الله ؟ فقال : ابعد الذي قلتم ، لا ، ولكني اوصيكم باهل بيتي خيرا ، واعرض بوجهه عن القوم ، فنهضوا وخرجوا وبقي عنده العباس ، والفضل بن العباس ، وعلي بن ابي طالب عليه السلام ، واهل بيته خاصة ، فقال له العباس : يا رسول الله ، ان يكن هذا الامر فينا مستقرا من بعدك فبشرنا ، وان كنت تعلم انا نغلب عليه فاقض بنا ، فقال صلى الله عليه واله وسلم : انتم المستضعفون من بعدي وصمت ، فنهض القوم وهم يبكون قد يئسوا من النبي صلى الله عليه واله وسلم .
ولما هموا بالخروج دعا عمه العباس فقال له يا عم رسول الله تقبل وصيتي وتنجز عدتي وتقضي ديني فلم يوافق العباس لانه شيخ كبير فدعا عليا فجاء ، فقال له : ادن مني ، فدنا فضمه اليه ثم نزع خاتمه من يده ، فقال له : خذ هذا فضعه في يدك ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته فدفع ذلك اليه ، والتمس عصابة كان يشدها على بطنه اذا لبس سلاح وضرب للحرب ، فجيء بها فدفعها الى علي عليه السلام وقال له امضي على اسم الله تعالى الى منزلك . حكم ومواعظ من حياة الانبياء - الجزء الاول 49
وفي اليوم الثاني حجب الناس عنه وثقل في موضعه وكان امير المؤمنين عليه السلام لا يفارقه ، تقول ام سلمة : وفي اخر لحظة دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عليا فجاء فلما دنا منه اوما اليه فاكبب عليه فناجاه طويلا ثم قام فجلس ناحية حتى اغفى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، فقال من حضر لعلي عليه السلام ما الذي اوعز اليك يا ابا الحسن ؟ فقال : علمني من العلم الف باب فتح لي كل باب الف باب ، واوصاني بما انا قائم به ان شاء الله تعالى .
فلما قربت خروج روحه صلى الله عليه واله وسلم قال لعلي عليه السلام ضع راسي في حجرك فقد جاء امر الله تعالى ، فاذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك ، ثم وجهني الى القبلة وتول امري وصل علي اول الناس ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي واستعن بالله تعالى .
فاخذ علي عليه السلام راسه فوضعه في حجره وفاضت روحه الشريفة في حجر علي بن ابي طالب عليه السلام فاكبت فاطمة عليه تبكي وتندبه ، انا لله وانا اليه راجعون ... «وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ...» (1) .
وكان ذلك في يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة احدى عشرة من هجرته صلى الله عليه واله وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة ،