نشرت جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 20 نوفمبر 2002م مقالاُ مطوَّلاً عن نازك الملائكة
<span style='color:teal'>لـ د . عبد الرضا علي ،آثرنا أن ننقلها لكم تعريفاً بهذه الشاعرة وبمسيرتها الشعرية ، عنوان المقال /</span>
نازك الملائكة.. ملامح من انطلاقة غير مسبوقة وانسحاب مبكر (1) :
* ترقد الشاعرة العراقية نازك الملائكة منذ أشهر عديدة في أحد مستشفيات العاصمة المصرية التي تعيش فيها منذ عام 1992، وهي في شبه غيبوبة. وقبل ذلك اعتزلت هذه الرائدة الكبيرة الحياة الثقافية والاجتماعية منذ ما يقرب من عشر سنوات وسط تجاهل إعلامي وثقافي كعادتنا مع كبارنا الأحياء. لكن من حسن الحظ أن المجلس الأعلى للثقافة في مصر تنبه لذلك، فاصدر قبل أيام أعمالها الكاملة في خمسة مجلدات، كما كرسها اتحاد كتاب المغرب في ندوته حول الكتابة النسائية والذاكرة والمكان التي نظمت في مدينة اسفي المغربية قبل حوالي شهرين، هذه حلقات حول دور نازك الملائكة الريادي في الشعر العربي الحديث، ومواقفها النقدية اللاحقة من هذا الشعر، وتجربتها الشعرية ومكانتها في المشهد الثقافي العربي.
في أسرة «الملائكة» البغدادية ولدت «نازك»، وكانت أول عقب لأبويها. وأسرة الملائكة أسرة شاعرة تقرض الشعر وتتبارى فيه، وتعنى بالأدب، فرب الأسرة «صادق الملائكة» والد نازك كان ينظم الشعر، وله قصائد كثيرة، وأرجوزة في أكثر من ثلاثة آلاف بيت.
اما والدة نازك فهي «سليمة الملائكة» التي عرفت باسمها الأدبي «أم نزار الملائكة» وكانت تنظم الشعر وتنشره في المجلات والصحف العراقية وقد صدر لها بعد وفاتها ديوان أنشودة المجد.
وأخت نازك «احسان» وأخوها «نزار» نظما الشعر أيضا.
ولعل من المفيد أن نذكر هنا أن خالي نازك وهما: الدكتور «جميل الملائكة» وعبد الصاحب الملائكة» شاعران لهما آثار مطبوعة.
في هذه الأسرة نشأت نازك وترعرعت، وكان لها ميل قوي عميق الى الشعر والأدب، ظهرت بوادره منذ الطفولة، وقد سمعت أبويها وجدها يقولون عنها أنها شاعرة قبل أن تفهم معنى هذه الكلمة، لأنهم لاحظوا عليها التقفية، وأذنا حساسة تميز النظم الشعري تمييزا مبكرا وبدأت بنظم الشعر العامي قبل أن تبلغ سبع سنوات، وكانت تحفظ أخوتها الأصغر منها أغاني بالعامية موزونة ومقفاة.. وفي سن العاشرة نظمت أول قصيدة فصيحة ارتكبت في قافيتها غلطة نحوية.. ثم اشتد حبها للشعر حين بلغت الثانية عشرة من العمر، وأصبح ينمو، ويتزايد مع السنين.
وكانت منذ صغرها تحب اللغة العربية والإنجليزية والتاريخ، ودروس الموسيقى، وتجد لذة في دراسة العلوم، ولا سيما علم الفلك وقوانين الوراثة والكيمياء، لكنها في الوقت نفسه كانت تمقت الرياضيات مقتاً شديداً.
أما التفكير الفلسفي فقد تملكها منذ الصبا حتى غدا عادة من عاداتها تقول: «كنت دائما أحب أن أفلسف كل شيء، وأغوص في جنباته وأسبابه. وفي سنوات النضج أقبلت على قراءة الفلسفة».
ويبدو أن احساسها الدائم بأنها تختلف عن سائر البنات اللواتي كن في سنها أيام الطفولة كان نوعا من التفكير الفلسفي الذي قادها إلى الانعزال عنهن، لأننا وجدناها تقول: «فأنا كثيرة المطالعة، محبة للشعر والغناء، جادة.. قليلة الكلام، بينما هن لا يطالعن ولا يعبأن بالفن وليس لهن من الجد في الحياة إلا اليسير».
وعندما بلغت السادسة عشرة أصبحت أعد العزلة فصيلة الشاعر وحرية المفكر ونبذت المجتمع وانطويت على نفسي.. ولكنني بعد الثلاثين اصبحت أجد سعادة في الصداقة ومعرفة الناس وتذوق ما في شخصياتهم من جوانب جميلة.
كان لأبوي نازك تأثير عميق في بدء حياتها الفكرية، فقد بقي والدها أستاذها في النحو حتى أنهت دراستها الجامعية الأولى، أما والدتها فقد كان لها اثر واضح في حياتها الشعرية، لأنها كانت تعرض عليها قصائدها الأولى، فتوجه إليها النقد وتحاول إرشادها.
وفي مرحلة الثانوية لاح عليها شغفها بالشعر الحديث، فتأثرت بشعر علي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل وبدوي الجبل وأمجد الطرابلسي وعمر أبي ريشة وبشارة الخوري.
وقد بلغ نشاطها الفني أوجه في سنة 1942م، حينما كانت طالبة في السنة الثانية من دار المعلمين العالية، فانتظمت طالبة في فرع العود بمعهد الفنون الجميلة، ودخلت طالبة في فرع التمثيل، ولم تكتف بذلك، وإنما انتمت الى صف لدراسة اللغة اللاتينية فوهبت نفسها لهذه الدراسات كلها في اندفاع لا مثيل له وكانت تحبها أشد الحب.
وللحديث بقية ..