السلام عليكم /
تعميق مفاهيم البرّ عند الناشئة
إنّ المتتبع لأوضاع المؤسسة الاجتماعية الصغرى المتمثلة في الأسرة سيجد
شكاوى كثيرة من الوالدين وخصوصا ً الأمهات فيما يتعلق بابتعاد أبنائهم
عن مفاهيم البر الحقيقة التي نادى بها الشارع الحكيم , ولا نحتاج إلى أرقام
إحصائية لتوثيق هذه الظاهرة فهي أجلى وأوضح من أن نحصيها حسابيا ً
, وسجل الشكاوى مليء ٌ بمشاهد عديدة ينقل بعض صورها لنا الآباء والأمهات
كمشاهد يومية تحدث في أغلب البيوت :
المشهد الأول :
الإخلال بالنظام العام داخل البيت ونقصد بها حالة التمرد على البرنامج
اليومي للأسرة أو تجاوزه بما يخلق فوضى عارمة في محيط المنزل ومن
صوره :
1-فتيات مراهقات وشباب مراهقون يعشقون السهر , تكثر حركتهم
خلال الساعات المتأخرة من الليل , فيثيرون الفوضى في البيت
فينبّهون الطفل الرضيع ويقلقون راحة الأب الذي يهيئ نفسه للذهاب
للعمل في الصباح الباكر , ويزعجون الأم المتعبة طوال النهار ,
ويكون للمطبخ في تلك الساعات المتأخرة نكهة خاصة عندهم
وتكثر الأطباق الداخلة والخارجة من المطبخ إلى أماكن جلوسهم
في غرفهم أو الصالة العائلية , مخلفين ورائهم كمّا ً من الأواني
والأدوات المتسخة بانتظار الأم عند استيقاظها صباحا ً , بالإضافة
إلى ما يسببونه من تشجيع ٍ لإخوانهم الصغار على عدم النوم والسهر مثلهم .
2-عدم التزامهم بمواعيد الوجبات , فذلك البيت الذي يضمّ 10 أفراد مثلا ً
قد لا تجد على المائدة منهم إلا ّ 3 أفراد والبقية بين نائم ٍ وبين قابع ٍ
خلف شاشة حاسوبه , وبين من هو في خارج البيت , فأحيانا ً تفرش
هذه السفرة ثلاث أو أربع مرات لوجبة واحدة , وسوف تتحمل الأم
تبعات ذلك كله من كثرة الأواني المتسخة , وأحياناً يطبخ الغداء
ولا من أحد يأكل , أو يذهب بعضهم إلى البوفيهات بينما الأم المسكينة
قضت ساعات ٍ من النهار لإعداد هذه الوجبة .
المشهد الثاني :
غياب حس المبادرة لدى الأبناء تجاه حاجات والديهم دون أن يطلبوا منهم ذلك
, ومن صوره :
1-قد يتسبب أحد الأطفال الصغار من غير المميزين في تخريب شي ْ
ما في الصالة أو يقوم بكسر كأس زجاجي , فالكل يرى المشهد
ولا من أحد من أخواته أو إخوانه الكبار يحرك ساكنا ً فيترك كل شيء
في مكانه , قد يتحركون عندما تأمرهم الأم أو قد لا يتحركون بتاتا ً
إلاّ ما دمتَ عليه قائما ً .
2-الأم مشغولة في المطبخ وأخوهم الرضيع يكاد ينفجر بكاء ً وهم
يسمعونه ولا من مجيب , أو يرون كثرة المهام التي بين يدي
أمهم ولا يحرّكهم حس ٌ ليقوموا بمساعدتها .
المشهد الثالث
عدم الالتزام بأوامر الوالدين , ويعاني الأمهات من هذا الأمر أكثر من الآباء
, وتتعدد صور التمرد والعصيان ومنها :
1-تأخير التنفيذ والتسويف .
2-ربما أحال أحد الأخوة الأمر الذي كُلِّف به إلى أخيه الآخر ,
ويبدأ الشجار بينهما إذا رفض طلبه .
3-ترك الأم بعد تلقي الأوامر والتشاغل عنها بشي ْ آخر لعلّها تحيل الأمر
إلى أحد إخوته بدلا ً منه .
4-إذا كان يمتلك سيارة ً وطلبت منه توصيلها تجاهل طلبها أو أبدى
نفوره من الطلب وربما خرج من البيت غير مكترث ٍ بطلبها.
المشهد الرابع :
الممارسات غير الأخلاقية مع الوالدين , وصورها أكثر من أن تعدّ ,
ومنها رفع الصوت , وتجاهلهما وعدم احترامهما , والشجار في حضورهما
, والتعنيف في مخاطبتهما , وقد يصل الأمر بأحدهم أن تمتد يده لوالده أو
والدته بدفعهما إلى الوراء أو ضربهما , أو ذكرهما بالذكر السيئ أمام الآخرين .
ورغم أنّ هذه الصور تغيب في بعض الأسر إلاّ أنّها هي المسيطرة على
المشهد الأسري العام .
مشاهد نحلم بها
1-يوجّه الأب أمراً إلى أحد أولاده أو بناته , فينهض الجميع مسرعين
لتلبية حاجته , وربما تشاجروا كل ٌ يريد أن يحظى بالقيام بهذه المهمّة .
2-تطلب الأم من أحد الأخوين توصيلها وكلاهما بحوزته سيارته الخاصة
به فيفرح هذا لأنّها فضلته على أخيه في الطلب , ويحزن الآخر لتجاهلها
إياه وعدم طلبها منه .
3-البنت تلاحظ أمها في كل وقت إن كانت تريد منها مساعدة , والولد
يباشر أباه بين الحين والحين الآخر إن كان يرغب منه في حاجة .
وهذه المشاهد بالتأكيد ليست خيالية , ولكنّها نادرة .
ومن هذا المنطلق يأتي السؤال الآتي :
كيف نعمّق مفاهيم البرّ عند الناشئة ؟
سأحصر الحديث باختصار في 3 نقاط كما يلي :
1-الدور الإعلامي التثقيفي : وهو من نصيب المنبر الحسيني ,
والمساجد , والدعاة والمصلحين والتربويين , ومن ذلك أقترح
أن تعقد دورات ٌ تثقيفية تعالج هذا المعنى كتلك الدورات التي تعالج
مفهوم السعادة الزوجية .
2-التربية الحسنة : وهو دور الآباء والأمهات أنفسهم فلهم النصيب
الأوفر لسلوك أبنائهم المنهج التربوي الصحيح في طريقة تعاملهم
داخل المحيط الأسري مع الوالدين ومع الإخوان والأخوات ,
ومن المهم جدّاً ان يشجّع الوالد أبناءه على احترام أمهم , وكذلك
الأم تشجّع أبناءها على احترام أبيهم , وكذلك احترام الإخوان والأخوات
لبعضهم الآخر , لتأصيل مفهوم القدوة الحسنة داخل البيت .
3-معالجة الأسباب التي يمكن أن ينشأ عنها انحراف سلوكي في التعامل
داخل البيت , ومن ذلك المؤثرات الخارجية التي قد تشوش تفكير الولد
أو البنت في طريقة تعامله مع أسرته ككل , وأهم هذه المؤثرات
هم القرناء والأصدقاء , في الوقت الذي يمكن أن يستفاد من
الأصدقاء كأداة إصلاح لأصدقائهم إذا كانوا أسوياء .
وفي المحطة الأخيرة لي معكم وقفة مع النص القرآني الكريم :
( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر
احدهما او كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ) الإسراء – 23
في هذه الآية 5 تأكيدات فيها دلالة على عظم قدر الوالدين ووجوب برهما سأختصرها
هنا وهي مستفادة من التفسير الأمثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي :
1-كلمة قضاء : تعني القرار والأمر المحكم الذي لا نقاش فيه .
2-ربط الإحسان للوالدين بالتوحيد .
3-الإطلاق في كلمة ( إحسان ) دلالة على أنها تشمل جميع أنواع الإحسان .
4-الإطلاق في كلمة ( والدين ) تشمل الأبوين سواء كانا مؤمنين أم كافرين .
5-وردت كلمة ( إحسانا ً ) نكرة لتأكيد أهميتها وعظمها .
ولإثراء هذا الموضوع لا بدّ من وضع لمساتكم المباركة , وإضافاتكم الندية إخواني وأخواتي الكرام وتقبلوا تحياتي .