عرض مشاركة واحدة
قديم 17-12-2007, 03:09 PM   رقم المشاركة : 3
قميص يوسف
إداري






افتراضي رد: الإعـتـذار عن الخطأ سلوك حضاري

خلفيات الامتناع :

لماذا يصعب على الكثيرين من الناس تدارك أخطائهم بتقديم الاعتذار إلى المتضررين؟ ولماذا التردد والامتناع عن انتهاج هذا المسلك الحضاري؟

يبدو أن هناك خلفيات نفسية وثقافية واجتماعية يمكن اعتبارها عوائق وموانع من انتشار هذا الخلق الكريم.

أولا : التفكير والتصور الخاطئ بأن الاعتذار عن الخطأ تشكل حالة ضعف وهزيمة لشخصية الإنسان، وفي الحقيقة قد يكون ذلك صحيحا لأول وهلة، وفي الظاهر، لكن واقع الأمر، إنه يكشف عن ثقة بالنفس، وشجاعة في الموقف، وهو ينتشل الإنسان من موقع الضعف الذي انحدر إليه بخطئه، إلى موقع القوة الذي يرتقيه باعتذاره، وبالتالي فإنه كسب وانتصار للإنسان على المدى البعيد.


ثانيا : التعصب للذات بتبرير أخطائها والدفاع عنها حتى في الزلات والعثرات، وذلك ما يعبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد﴾ [10] .

إنه لا يعترف على نفسه بالخطأ، ولا يقبل لذاته أن يكون في موضع الإقرار و الاعتذار، إنه المحق دائما و أبدا، والمصيب في كل مواقفه و تصرفاته، و إن كان في أعماق نفسه مدركا لباطله و انحرافه، لكن العزة الآثمة ، والعصبية الجاهلية لا تسمح له بالتراجع و التدارك.


ثالثا: التعالي والشعور بالرفعة والتفوق: وخاصة إذا ما أخطأ الإنسان تجاه من يعتقد أنهم أقل منه شأنا ومكانة، فإنه يأنف ويستثقل طلب المعذرة منهم.

وفي الواقع فإن جوهر الأخلاق الفاضلة، وحقيقة النبل والسمو، إنما تتجلى في مثل هذه المواقف، إذ ليس فخرا كبيرا أن يعتذر الإنسان لمن هم أقوى منه، وأرفع شأنا ومنزلة، فقد تكون الظروف تفرض عليه ذلك، أو تدفعه بهذا الاتجاه، لكن الفضل والمجد هو في حسن التعامل مع الضعفاء، وأداء حقوقهم، والتزام مكارم الأخلاق تجاههم.


رابعا: الثقافة العامة والأجواء الاجتماعية: حيث قد تسود المجتمع ثقافة التفاخر والتباهي، وأجواء العصبية والمزايدات، مما يجعل الأفراد منساقين ضمن هذا التيار العام.

تماما كما نقرأ في تاريخ العرب قبل الإسلام، وكيف كانت تحكمهم العصبيات القبلية، ومشاعر الاعتزاز والفخر تجاه بعضهم البعض، وكانوا يمارسون مبدأ (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) بمعناه الحرفي، ويستجيبون لمبالغات شعرائهم التي كانت تملأ نفوسهم بالزهو، وتزين لهم مواقف التصلب والتعالي على الآخرين.

فهذا أحدهم يقول عن قبيلته:

وننكر إن شئنا على الناس قولهم *** ولا ينكرون القول حين نقول

ويقول آخر:

وإنا أناس لا توسـط بيننـــا *** لنا الصدر دون العالمين أو القبر

ويقول ثالث:

ألا لا يجهلن أحــد علينـــا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينـا

إذا بلغ الفطام لنــا صـــبي *** تخر له الجبابـر ساجدينــا

ولا تزال رواسب هذه الثقافة الجاهلية، وروح التعالي والتعصب، تلعب دورها في نفوس أبناء الأمة العربية إلى اليوم.

وإلا فكيف تفسر خطابات رئيس النظام العراقي صدام، ومقولات وسائل إعلامه؟

إنه يتحدث عن تفوق العراق، وعن سحق قوى الاستكبار، وعن أم المعارك، وأعظم الانتصارات التاريخية، بينما يعيش نظامه في أسوأ عزلة، ويرزح شعبه تحت أبشع حصار.

ومع كل المآسي التي أوقعها بالعراق والأمة العربية والإسلامية، عبر حربيه الظالمتين ضد إيران واحتلال الكويت، فإنه يرفض الاعتذار عن خطئه، ويكرر مقولاته الشريرة!!

كما تتمظهر رواسب الثقافة الجاهلية في مجتمعاتنا بأشكال متعددة ومختلفة، على مستوى الأفراد والتجمعات والمجتمعات.

 

 

 توقيع قميص يوسف :
قميص يوسف غير متصل   رد مع اقتباس