ما وراءَ حنجرة المغنِّي
هذه القصيدة آخر ما كتبه العملاق الشاعر جاسم الصحيح وهي تربو على ( 150 ) بيتا .. ألقى منها نيفا وعشرين بيتا في مشاركته الأخيرة في الحلقة ما قبل الأخيرة من برنامج أمير الشعراء .. وهذه 52 بيتا منها وهي التي سلمت للجنة التحكيم ..
( يحكي شاعرنا فيها تجربته في عالم الشعر والممتدة لأكثر من عشرين عاما .. بما فيها من لحظات تجلٍ وإبداع مجنح وخيال رحب .. )
(بضعٌ وعشرون) عاماً
في صداقة (آدم) الشعر الذي أعادَ صياغةَ (آدم) الإنسان داخلي
على السُّهولِ التي تمتدُّ في لغتي
ما زال ينمو معي عنقودُ موهبتي
(بضعٌ وعشرونَ) شَدَّتْ رحلَها.. وأنا
أنا..المعتَّق في إبريقِ تجربتي!
ما زال ينمو معي عنقودُ موهبتي
في سَكْرَةِ البحثِ عن مفتاحِ أجوبةِ
أنا المعتَّقُ في الإبريقِ.. ما انْفَرَطَتْ
روحي من السُّكْرِ إلاَّ قيدَ أُحْجِيَةِ
ما للقصائدِ من حَدٍّ لأختمَها..
يفنَى خيالي ولا تفنَى مُخَيَّلَتي!
في صِحَّةِ (الشِّعرِ).. ألوي من زجاجتِهِ
جيداً وأسكبُ (تشبيهي) و(توريتي)
لِي خمرةٌ شابَهَتْني في غوايتِها..
من (تاءِ تأنيثِها) استوحيتُ قافيتي!
كأنَّني - والحُمَيَّا حين تُرْعِشُني-
عَلِقْتُ ما بين أسلاكٍ (مُكَهْرَبَةِ)!
طيرُ النبوءةِ لم يبرحْ يُشَبِّهُ لي
في الحُلْمِ أَنِّيَ مخلوقٌ بأجنحةِ!
وحدي ولكنْ أُشَظِّي وحدتي بَشَراً
فيَنْطَوي في فؤادي كونُ أفئدةِ!
صَلَّيتُ للخلقِ.. كلِّ الخلقِ.. واتَّسَعَتْ
لِماَ وراء خطوطِ الطولِ، صومعتي!
همسُ النسيمِ.. خريرُ النَّهْرِ.. زغردةُ الـ-
عصفورِ.. هذي ترانيمي وأدعيَتي
في قلبيَ الكُرَةُ الأرضيَّةُ انْمَسَحَتْ
من الخطوطِ فقلبي وحدةُ الكُرَةِ!
من أجلِ كلِّ الـحُفاَةِ العابرينَ على
دربِ الحياةِ سأمشي دون أحذيةِ!
حُبًّا لهذا الثرى.. حُبًّا يُمانعُني
أنْ أهتدي بنجومٍ غيرِ مُوحِلَةِ!
والحبُّ يشهدُ أنِّي في وثائقِهِ
أسجِّلُ الأرضَ من أفرادِ عائلتي
أسجِّلُ الأرضَ من أفرادِ عائلتي
تفصيلَ (زِيٍّ) على أعطافِ (عارضةِ)
أهديتُ للرَّمزِ طربوشاً يُظَلِّلُهُ
وما بخلتُ على المعنَى بِقُبَّعَةِ
ذاتي إذا ما نَأَتْ مقدارَ قافيةٍ
عنِّي، دَنَوْتُ إليها قابَ نَرْجِسَةِ!
يأبىَ لِيَ الفَنُّ أنْ آوي إلى حَجَرٍ
ما لم أُغاَدِرْهُ مسكوناً بِلُؤْلُؤَةِ
لا أدَّعي الوحيَ عُلْوِيَّ المدَى، فأنا
لم أنتسبْ لِسماءٍ غير جمجمتي
نقصٌ من الريشِ في روحي يَهِمُّ بها
نحو التـرابِ إذا هَمَّتْ بِرَفْرَفَةِ!
ما أتعسَ الغصنَ حظاًّ حين تفطمُهُ
فأسٌ ويكبرُ في أحضانِ مقلمتي!
(بضعٌ وعشرونَ) سهماً كنتُ أطلقُها
صوبَ الحقيقةِ من أقواسِ أسئلتي
والشكُّ فردٌ وحيدٌ لا نصيرَ لهُ
يلوي بميمنةٍ مِنِّي، وميسرةِ
ليتَ اليقينَ الذي طالَتْ أظافرُهُ
يَحُكُّ ما لم أَطَلْ من ظَهْرِ وَسْوَسَتي!
إنْ صحتُ: آهِ! تَشَظَّى الأُفْقُ عن حُفَرٍ
غيبيَّةٍ، وتوابيتٍ وأضرحةِ!
في خارجي ألفُ حربٍ قادَها بَشَرٌ
وداخلي ألفُ حربٍ بين آلهةِ
لو كان للسَّهمِ أنْ يرتدَّ ثانيةً
حَطَّمتُ قوسي وما كَرَّرتُ معركتي!
عدالةُ الريحِ في توزيعِ ثروتِها
تُغري بِأَنْ أَتَمَنَّى الريحَ مقبرتي!
حسبي من الغيبِ دربٌ كنتُ أقطعُهُ
من المشيئةِ حتَّى كفِّ قابِلَتي
عَبَرْتُ بالنَّهْرِ مخفوراً فأَوْقَفَني
في الضِّفَتَينِ على مَهْدٍ وشاهِدَةِ!
بئسَ (العبورُ)! نَزَفْتُ (الأربعينَ) لهُ
وما أَزاَلُ أُوَفِّي أَجْرَ (تذكرتي)
لا حبلَ أعقدُ آمالَ النجاةِ بهِ
إذا الهُوِيَّةُ أَضْحَتْ (بئرَ) هاويتي
أمتدُّ مثل جهاتِ الأرضِ باحثةً
عن ذاتِها دون أنْ آوي إلى جهةِ
(بضعٌ وعشرونَ).. أمشي في مناكبِها
مشيَ العواصفِ إذْ فَوْْضاَيَ خارطتي
فما ائتلقتُ ولوني لونُ سنبلةٍ !
وما اهتديتُ وطولي طولُ مئذنةِ!
مُزَمَّلٌ في مزاجِ الريحِ حيث دمي
لا يحتفي بجِيادٍ غيرِ نافرةِ
هذي تضاريسُ روحي لوْ تَسَلَّقَها
وَعْلٌ لعاَدَ بِأقدامٍ مُجَرَّحَةِ
لا يعرفُ النَّاسُ منِّي غيرَ حنجرةٍ..
يا ليتَهُمْ عَرِفوا ما خلف حنجرتي!
أنا الجمالُ الذي عيناهُ تُنكِرُهُ..
هل بعد ذلك للنُّكرانِ من سَعَةِ؟!
حقلٌ ولكنْ تَخَلَّتْ عنهُ غابتُهُ
فجَفَّ من لَمَعاَنِ القمحِ والذُّرَةِ
سكنتُ إسمي فكان الإسمُ لِي وَطَناً
ولم أغادرْهُ منفياًّ إلى صِفَتي
لا تنسبوني إلى (البئرِ) التي اشْتَرَكَتْ
في ظُلْمِ (يوسفَ).. لا تستغفلوا (أَبَتِي)!
لا تبحثوا وَسْطَ (رحلي) عن مآربِكُمْ..
فما هناكَ (صواعٌ) بين أمتعتي
بلى..(شماغي) دماغي لستُ أنزعُهُ
من فرط ما اتَّحَدَتْ رأسي و(أشمغتي)
بلى..ترابي ثيابي حيث ينسجُها
لِيَ المكانُ ويرفوها بعاطفتي
يا (أخوةَ) القلبِ.. لم أبرحْ أُعَوِّذُكُمْ
في الحبِّ أنْ تخلطوا مِلْحاً بِسُكَّرَةِ
إنِّي صفحتُ.. فلا تستنهضوا سَبَباً
يسعَى إليَّ على أقدامِ معذرةِ
ما كان (يوسفُ) أحلىَ في وسامتِهِ
من الوسامةِ في صَفْحٍ ومغفرةِ!