الأخت الكريمة رحيق الجنة ....
هل طلب منهم " الرسول والصحابة " الدعاء لهم والرسول والصحابة كانوا احياء ام اموات في قبورهم ؟؟
للإجابة على هذا السؤال تحديداً ولا أريد تشتيت الموضوع أكثر من اللازم، لذا سأحاول
الاختصار ما استطعت مشيراً إلى آراء المذاهب في هذا الباب،
وبإمكانك أختي الكريمة مراجعة التفاصيل في مصادرها، مع أن الجدل في مثل هذ المسائل
قتل بحثاً وتأليفاً ونقاشاً، ولكن لا بأس بإيراد بعض الآراء المتباينة لنتفهم اختلافنا في المسائل بالمنطق
العقلي الهادئ لا بالاندفاع العاطفي والصراخ والتوتر، ويبقى لكل رأيه واجتهاده محترماً
بذلك رأي الآخر واجتهاده .
بسم الله الرحمن الرحيم
قَال تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسِيلَةَ }
يندرج تحت مفردة الوسيلة كل ما يوصل إلى الله من عمل صالح طلباً لمرضاته بالصلاة أو بالدعاء أو التماس الدعاء من الأولياء والصالحين إلى الله، التوسل بالحي لا يوجد فيه خلاف كبير بين المسلمين على شتى مذاهبهم إنهم يجيزن ذلك وبل ويجعلونه من المستحبات.
أما عن مسألة التوسل بالميت فهي محل خلاف بين مجيز على الإطلاق أو على التخصيص وبين مانع ومحرم، وكل له استدلالاته وحجته :
1- الشيعة يجيزون التوسل بالنبي والأئمة من أهل البيت وأن ذلك مستمر بعد وفاتهم ولهم أدلتهم في ذلك
من قبيل الآية السابقة (وابتغوا إليه الوسيلة) ومن قبيل: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)
بإطلاق عموم الآية لا حصرها في سبب النزول فقط وغيرها من الأدلة النقلية والعقلية.
2- أهل السنة على خلاف :
أ- فابن تيمية ومن حذا حذوه من المتأخرين (السلفية) لا يجيزون التوسل بالميت بل يعتبرونه موصل إلى الشرك ويعتبرونه من البدع .
لكن المسألة عند ابن تيمية غير محسومة فهو يقول في مجموعة رسائله ص16: ( وكذلك مما يشرع التوسل به في الدعاء كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن النبي (ص) علم شخصاً أن يقول: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها. اللهم فشفعه فيَّ. فهذا التوسل به حسن، وأما دعاؤه والاستغاثة به فحرام! والفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين. المتوسل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل استحضاره لا على سبيل الطلب منه. وأما الداعي والمستغيث فهو الذي يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه ).
وينقل ابن كثير في البداية والنهاية:14/45 قصة تراجع ابن تيمية عن رأيه في التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته حيث قال:
قال البرزالي: وفي شوال منها شكى الصوفية بالقاهرة على الشيخ تقي الدين، وكلموه في ابن عربي وغيره إلى الدولة فردوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي، فعقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء بأشياء فلم يثبت عليه منها شئ، لكنه قال: لايستغاث إلا بالله لايستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبادة، ولكن يتوسل به ويتشفع به إلى الله. فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شئ، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أن هذا فيه قلة أدب .
ب_ ويقول ابن عابدين الفقيه الحنفي :
نَعَمْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْمُنَاوِيُّ فِي حَدِيثِ " { اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك نَبِيِّ الرَّحْمَةِ } " عَنْ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ يَنْبَغِي كَوْنُهُ مَقْصُورًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ لَا يُقْسِمَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ قَالَ وَقَالَ السُّبْكِيُّ : يَحْسُنُ التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ إلَى رَبِّهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَلَا الْخَلَفِ إلَّا ابْنَ تَيْمِيَّةَ فَابْتَدَعَ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ قَبْلَهُ .
المصدر/
رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين الحنفي ج27ص4،5
ج _ وهذا عَلِيٌّ أَبُو الْحَسَنِ الْمَالِكِيُّ عندما شرحه لـ" الرسالة " لصاحبها ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ المالكي المتوفَّى سنة 386هـ يقول في شرحه:
[ قَوْلُهُ : بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ ] مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ تَنَازَعَ فِيهَا الْأَفْعَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَيْ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَخْ فِي حَالِ كَوْنِنَا مُتَوَسِّلِينَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ .[ قَوْلُهُ : وَآلِهِ ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ عُصَاةً ، وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّوَسُّلِ بِآلِهِ وَلَوْ عُصَاةً ؛ لِأَنَّهُمْ بَضْعَةٌ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ أَقَارِبُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ...
المصدر/
حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني-مالكي ج1 ص12
د_ وَيَجُوزُ التَّوَسُّلُ بِصَالِحٍ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ : إنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ ، وَجَعَلَهَا شَيْخُنَا كَمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ بِهِ ، قَالَ : وَالتَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ ، وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ وَأَفْعَالِ الْعِبَادِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي حَقِّهِ مَشْرُوعٌ ( عِ ) وَهُوَ مِنْ الْوَسِيلَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى { اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسِيلَةَ } وَقَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ } : الِاسْتِعَاذَةُ لَا تَكُونُ بِمَخْلُوقٍ ، قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : الدُّعَاءُ عِنْدَ قَبْرٍ مَعْرُوفٍ التِّرْيَاقُ الْمُجَرَّبُ .
المصدر/ الفروع لابن مفلح الحنبلي ج3 ص 152
هـ _ وفي هذا الباب أورد قصتين الأولى قصة الإمام الشافعي يتوسل بقبر أبي حنيفة من كتاب تاريخ بغداد :
أخبرنا القاضي أبوعبدالله الحسين ابن علي بن محمد الصميري قال : أنبأنا عمر بن إبراهيم المقري قال : نبأنا مكرم بن أحمد قال : نبأنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال : نبأنا علي بن ميمون قال : سمعت الشافعي يقول : إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره كل يوم _يعني زائرا_ فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسالت الله تعالى الحاجة عنده , فما تبعد عني حتى تقضى .
المصدر/
تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج1، ص 123
والقصة الثانية لشيخ الحنابلة الخلال يتوسل بالإمام الكاظم عليه السلام من كتاب تاريخ بغداد أيضا:
أخبرنا القاضي أبومحمد الحسن بن الحسين بن محمد بن رامين الاسترابادي قال : أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي قال : سمعت الحسن بن إبراهيم أباعلي الخلال يقول : ماهمني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهل الله تعالى لي ما أحب.
ج1، ص120.