ظللت أنا في صمت و خشوع و سجود .. فسمعته :
" أهذا يؤنسـكم ؟! "
كانت نبرة صوته أشبه بالعتاب ..
ظللت في صمت و خوف .. و هو يتأملني ..
حيث سمعت صوته مجدداً :
" كيف حال .. وائل ؟!! "
رفعت بصري نحوه .. لم ينطق باسم وائل بسهولة .. كان يضيّق فتحة عينه .. يتعذب كثيراً ؟!!
بل يغار كثيراً .. بل يحقد و يكره وائل كثيراً .. مسكين ابني وائل .. سوف يرتاح من حقد هذا المجرم أخيراً ..
همست بغيظ :" لا شأن لك بابني "
حملق بي بعمق .. ثم خفض عينيه .. ثم عاد ينظر لي ..
ماذا ينتظر هذا المخلوق ؟!! أضمه ..؟!! أقبلـه ؟!! أنه يحلم ..
أني لا أجرأ .. بل لا أريد .. هو لا يستحق مني كلمة " وداعاً.. "
خلع هو ساعته .. و قدمها نحوي .. نظرت للساعة و سمعته يقول :" أنها مجرد ذكرى .. لتذكريني دائماً "
لأذكر أن لي ابناً مجرماً .. ؟! لأذكر أن لي ابناً مريضاً ؟!
ظلت يده ممدودة نحوي حاملة الساعة .. أيريد مني الاحتفاظ بها ؟!! أو لبسها على يدي ؟!!
لا .. لـن أحتفظ بشيء أنت تملكـه .. فأنت مخيف و أشياؤك كلها تثير الريبة ..
دفعت بيدي الساعة رافضةً بشدة .. و همست مشيحة وجهي عنه :
" أعطها لذكرى .. أنا لن أحتفظ بشيء منك أنت "
و قلبي يرتعد خوفاً ..
نظر إلي .. كانت يحملق بي بأسى و حزن شديد .. خبأ الساعة في جيبه ..
و ظل واقفاً ينظر إلي .. شعرت بخوف .. و رعب ..
صرخت به :" ماذا تريد أيضاً ؟! .. انصرف و أتركني أعيش حياتي .. "
أخذ يطيل النظر إلي بنظرته تلك.. ثم قال :" إذاً .. أوصلي سلامي لوائل "
" أوه .. أعذرني .. لن أستطيع فعل ذلك "
قال مستغرباً :" لمَ ؟!! "
" آه .. لقد أوهمت وائل أنكَ .. أنكَ.. مت "
=
اتسعت حدقتا عينيه .. لقد انصدم حقاً .. لم يسألني عن السبب ..
كان صامتاً يحملق بي .. و الذي زاد من سرعة نبض قلبي .. نظراته لي ..
لمعت عيناه .. و كأن دموعاً توشك على الهطول ..
استدار .. و اتجه نحو عادل و ذكرى بخطوات بطيئة جداً .. منكس الرأس ..
فجأة .. أدار رأسه إلي .. و رمقني بنظرة لا يمكنني تفسيرها ..
و عاد يمشي ببطء نحو الاثنان ..
كان على خالد توديع أبـاه .. و لكنه أسرع إلى سيارة السيد أبا سامر .. و صعدها و أغلق من خلفه الباب .. تكوم على نفسه .. أخفى رأسه بين ركبتيه .. و غلّف نفسه بذراعيه ..
استغربت ذكرى .. فضربت النافذة طالبة منه فتح الباب .. و السيد ( صديق زوجي ) شديد الاستغراب من تصرف خالد .. أيمكـن أنه تأثر من كلماتي له .. أيمكن أني كنت قاسية معه ...؟!!
اقترب عادل مني و هزّني بعنف بذراعيه .. صرخ بوجهي :" ماذا قلتِ لـه "
" أخبرته بأنه مات في قلوبنا .. لم يعد هنا شخص أسمه خالد في حياتنا .. هو مات .. مات .. مات "
رمقني بنظرة غضب كبير ..همس بغيظ :" أنت تقتلينه بكلماتكِ هذه .. "
و دفعني بقوة .. و عاد متجهاً نحو السيارة .. سيارة السيد أبا سامر ..
فتح خالد باب السيارة تاركاً لذكرى المجال للاطمئنان عليه ..
كانت وجنتاه شديدة الاحمرار .. و وجهه يشتعل و يشتعل بنيران الغيظ ..
أمسكت ذكرى بكتفه .. و مسحت شعره .. و بدأت في دوامة بكاء لا نهائية .. ألا تمل هذه المرأة ؟!!
هي تظن أنه غاضب من والده الذي يرغمه على السفر و الفراق .. و لكنه غاضب مني .. رباه ..
لـن أقترب أكثر .. عيناه تشتعل نيراناً .. أنه يشتعل غيظاً .. و كأنه بركان يوشك على الانفجار ..
ربــاه .. علي الانسحاب .. ماذا فعلتُ ؟!!
أنـه .. أنه ابني رغم كل شيء ..
لماذا أطعن أبني ؟!!
آه سوف أجـن ..
.===.
أقلقني أمر خالد .. فبدا حزيناً لدرجة كبيرة .. مليئاً بالغضب لدرجة لا تتصور ..
سألته ماسحة شعره :" ما بك .. أهناك شيء ؟!! "
ينكس رأسه .. ليخفي احمرار وجهه الملحوظ .. نعم .. فعندما يغضب خالد .. يحمر وجهه احمرارا شديداً..
هزَّ رأسه نفياً .. و أجابني بصوت مبحوح :" لا شيء "
و هنا ابتعدت غيداء .. متجهة نحو أفق آخر ..
ينتابني فضول جنوني .. ماذا دار بينه و بين غيداء ؟!!
اقترب عادل من خالد .. فابتعدت أنا .. ظل عادل يضغط كتف خالد بيده مشجعاً :
" لا عليك من كلماتها .. أنها لا تدرك ما تقول .. "
ما الذي قالته غيداء ..؟!!
ابتعدت أنا متجهة نحو غيداء .. تاركة عادل يواسي ابنه كما يشاء ..
اقتربت منها .. حيث كانت تجلس على أحد المقاعد .. تراقب الناس من حولها ..
تنكس رأسه تارة .. و ترفعه لتدير عينها على كل شخص يمر بها ..
جلست بقربها .. خاطبتها بهمــس :" غيداء "
" هاه "
ابتسمت بسخرية :" ما معنى ( هاه ) "
نظرت إلي و عادت تراقب الناس واحداً تلو الآخر .. أردفت :" نعم .. "
" خالد "
" ما به "
" يحيرني أمره .. "
صمتت .. فقلت أنا :
" غيداء "
" هاه "
" ماذا قلتِ له "
صمتت قليلاً .. ثم أردفت :
" أهو غاضب ؟!! "
" بل يموت غيظاً "
استدارت هي .. لتنظر لعادل كيف كان يقف بقرب باب السيارة ..
و ينحني .. ليحادث ابنه الجالس في المقعد المجاور له ..
و عادت تراقب الناس.. و تتنهد بعمق :
" مجرم .. غيور لدرجة كبيرة .. يغار و يحسد و يحقد على ابني المسكين وائل "
" ربما يكون كذلك .. و لكن .. ماذا قلتِ أنت له ليعكر مزاجه لهذا الحد "
صمتت لبرهـة .. ثم استدارت لي .. و خاطبتني بانفعال :
" هو مات مات مات مات مات .. مات .. مات .. "
حملقت بها بغضب و هي تردد هذه الكلمة بجنون :
" مــات .. مات .. مات .. مات .. ليس لي أبن أسمه خالد "
صرخت بها و أنا أعض شفتي بغيظ :
" كفى ..عادل رغم أنه قاسٍ أحياناً ..و لكنه حنون أحياناً أخرى ..و لكنكِ قاسية في كل حين ..في كل لحظة "
حملقت هي بي .. ثم نكست رأسها .. فاستدرت أنا لأرى عادل لازال كما كان..
و عدت أنظر لهذه المرآة .. أنها كتلة "قسوة" حقاً ..
==
لأول مرة ... أشعر أن لي ابناً رائعاً .. كخالد ..
كم و كم .. صرخت بأعماقي .. لم لي أنا هذا الابن .. العاق ..المريض و المجرم ..
اليوم عندما ابتعدت ذكرى عني .. وقفت أتأمله .. أتأمله حركاته .. و نظراته ..
أخبرتني غيداء .. بما قالته له من كلمات قاتلة ..
كان شديد الغضب .. يحترق .. ينصهر .. يشتعل .. و ينفجر غيظاً ..
انحنيت .. و همست به :" خالد "
و بصوته الجاف أجابني ..:" نعم "
" قلت لك .. لا داعي للغضب من والدتك .. لم تكن تقصد ..... . "
قاطعني :" أنا لست غاضباً منها .. "
قلت بانفعال :" إذاً ممـن ؟!! "
كان ينكس رأسه .. صمت لبرهة .. و لكني رأيت بعض آثار قطرات الماء على بنطاله .. أهو المطر ؟!
أي مطر ؟!! نحن في فصل الصيف ..
أنحيت جذعي أكثر لأرى وجه ابني أكثر احمراراً .. و الذي صدمني .. دموع ..؟!!
أنها الدمــوع .. ابني خالد يبكي ؟!! منذ زمن طويل لم أرى فيه دموعك عزيزي ..
ما الذي يحزنــك صغيري ؟!! ..
مددت يدي و رفعت رأسه .. وجهه شديد الاحمرار ..و عيناه نيران .. و براكين .. و دموع تسيل منهما ..
و بخفوت سألته :" ما بـك ؟!! "
عـضَّ على شفتيه الورديتين .. و ضيَّق فتحة عينيه .. أتتعذب عزيزي ؟!!
أشاح بعينيه عني و هو يمسح دموعه .. ظللت أتأمله .. ما به أبني ؟!! لمَ كل هذا الحزن الجامح في عينيه ..؟!
أظـن أن كلمات غيداء أثرّت به تأثيراً كبيراً ,, أم تراه لازال يغار من وائل كما تقول غيداء ..
تسيل دمعة من مقلتيه .. فيسرع بمسحها .. مصطنعاً القوة ..
اقتربت منه .. همست بقلق :" خالد "
لم يجيبني ..
لاحظت كيف كانت أصابعه ترتجف ..و العرق يتصبب على جبينه ..
" خالد .. ما بك ؟!! "
و لم يجيبني ..
قبضت على يديه مانعاً أي ارتجاف .. لأمتص كل حزنك صغيري .. و كل رعشة حزن تسري فيك عزيزي ..
و مسحت شعره .. فإذاً بحرارة و نيران تتفجر من رأســه ..
ناديته :" بني ! "
بكل عطف و حنــان .. و أنا لا أعرف الحنان أصلاً .. و لكن .. ذلك الحنان انصب إلى قلبي فجأة ..
مددت ذراعي له .. و غلّفته إلى صدري ..
==
بينما كانت غيداء تسترجع ذكرياتها و تحكيها لي .. كما تسميها هي .. " مأساتها مع خالد "..
و غيرة خالد الجنونية من أخيه وائـل .. كنت أنصت إليها بصمت و أنا أراقب سيارة السيد أبا سامر ..
ابتعد عادل عن سيارة .. و هنا صُدمت .. فقد انطلقت السيارة بسرعة نحو أفق آخر .. و كأنها لن تعود ..
تخطف خالد عن بصري .. لم يكتمل الوداع الأخير .. فلم آخذ كفايتي من تأمله ..
و غيداء لازلت تثرثر بذكرياتها المملة .. فأصرخ بها :" هيه .. أنظري "
أشرت إلى السيارة المنطلقة بسرعة البرق .. نهضت غيداء مندهشة :" سيسافر الآن ؟!! و لكن..."
قلت بحسرة :" لكنا لم نودعه جيداً .. "
أمسكت غيداء بيدي و قالت :" تعالي "
مشيت معها بسرعة نحو عادل الذي كان يراقب السيارة الراحلة ..إلى البعيد ..
صرخت أنا بعادل :" عادل .. أين السيارة ؟!! إلى أين ستذهب ؟!! "
تنهد مبتسماً .. اتجه نحو سيارته تاركاً من خلفه أنا الحائرة ..
صعد السيارة .. فانطلقت غيداء لتصعد المقعد الأمامي .. و صعدت أنا المقعد الخلفي ..
حيث حرك عادل السيارة ..
صرخت به غيداء :" عادل ؟!! أين ذهب صديقك و خالد ؟!! "
و بكل برود يردف :" سافرا "
صرخت أنا :" لا .. ليس بهذه السرعة .. أنا لا أتخيل غيابه عن عيني لهذه المدة الطويلة .. عادل .. لا تكذب علي .. خالد لن يسافر .. أليس كذلك ؟!! آه .. آه .. خالد "
و بدأ نهر دموعي بالتدفق ..
و في الجهة الأخرى تصرخ غيداء :" عادل .. فسّر لي تصرفك هذا .. لماذا سمحت لهما بالسفر الآن"
ابتسم عادل ابتسامة سخيفة .. أبنه يسافر .. و هو يبتسم .. أنا أبكي و غيداء تصرخ .. و هو على النقيض تماماً ..
يبتسم ! بكل بســاطة ..
حيث أردف :" حتى أنت يا غيداء تأثرتِ من رحيل خالد ؟!! أظن من مصلحته و مصلحتنا أنه يسافر "
ثم قال :" خالد .. أخبرني أنه يريد الرحيل .. كفاه ما رأى هنا .. لقد تعذب كثيراً هنا .. دعـوه يسافر و ينسى و يرتاح .. فالراحة و الفرح .. لم يزورا قلب خالد الضئيل منذ فترة طويلة جداً .. جداً .. "
لطمت على رأسي .. و أسندت غيداء رأسها على المقعد .. و تنهد عادل ..
و بكيت أنا ..بكاءاً مريراً ..
طويلا ..! طويلا ..! طويلا ..!
همس عادل :" لأول مرة .. لأول مرة .. أرى فيها .. دموع خالد "
تساءلت غيداء مستغربة :" دموع خالد ؟!! "
صرخت أنا :" خالد بكى ؟!! "
نكست غيداء رأسها :" أظـن أنني السبب !! "
==
طلبت من عادلأن يتوقف بقرب الشاطئ قليلاً ..
نزلت أنا من السيارة ..و أمسكت بيد غيداء .. و جلسنا على الرمال .. نراقب غروب الشمس ..
كنت أمسح دموعي قهراً .. و حزناً .. حتى سمعت غيداء تهمس :" أتعلمين ! أنها تشبه خالد "
رفعت رأسي .. و نظرتللشمس .. و سألتها بصوتٍ مبحوح :" أتقصدين الشمس ؟!! "
هزت رأسها ايجابياً .. مبتسمة !
" أول ظهورها .. تكون لطيفة و رائعة و دافئة .. تماماً .. كماكان خالد في صغره ..
و عندما تبلغ الشمس الظهيرة .. تكون ساطعة و عمودية وحارقة .. فنحتمي منها ..
تماماً كما كان خالد قبل دخوله المشفى .. كان يرتكبالجرائم بكل اندفاع .. بلا قيود .. بكل وحشية ..
و نحن نحاول قدر الإمكانالحماية منه..
و عندما تبدأ الشمس بالمغيب .. نتأملها لنودع الغروب الأخير ..
و كأنها خالد .. نودعه الوداع الأخير رغم ما يفعله .., و نبكي لأجله .. "
و نظرت إلي :" ألا يشبه الشمـس ؟! "
حملقت بها .. ثم عدت أنظر إلىالشمس الغائبة .. هززت رأسي ايجابياً :" ربما..!! "
ثم نظرت إليها :" و لكنهأروع منها بكثـير "
انكشفت بعض شعيراتها البنية .. فقد خُفض خمارها علىكتفيها دون أن تشعر .. فكشف شعرها ..
ابتسمت .. و خاطبتها مشيرة إلى شعرها :" شعـرك "
بدت غير مستوعبة الأمر .. حيث رأيت أيدٍ من ورائها .. ترفعخمارها على رأسها ..
كانت أيدي عادل .. فزعت غيداء .. و جلس عادل وسطنا ..
ضمني بذراعه اليمنى و بذراعه اليسرى يضم غيداء ..
و أخذنا نتأملالغروب الأخير ..
أنه فعلاً غروب أخير ..
يا خالد ..!
الجزء السادس عشر
أنه يقتحم حياتنا الهادئة
( يسعدني أن أعرفكم بنفسي .. لأبرز دوري في هذه القصة ..)
أنا فتاة في التاسعة من عمري .. أدعى " زينة " .. سامر أخي الذي يصغرني سناً .. و عمره ثمان سنين .. و أختي الصغيرة هدى .. عمرها خمس سنين .. و أمـي .. أنها قاسية و عصبية أحياناً .. و لكنها حنونة جداً .. و أفضل أم في العالم .. و أبي .. أنه يحبنا كثيراً ..
لقد أتى بنا منذ زمن بعيد إلى هذه البلاد .. كنا نعيش في بلدنا الأصلية في المنطقة الجنوبية .. حيث نظلم ..
كنا فقراء جداً .. والدي لم يكن يستطيع إطعامنا و لا سترنا و لا حتى الاطمئنان علينا هناك ..
أبي كان يبحث عن عملٍ جيد .. و لكن دون جدوى ..
هذا ما جعله يأتي بنا إلى هذه البلاد .. الرائعة .. هنا .. أبي يعمل.. و هو يسكننا في منزل متواضع .. و نعيش كالناس .. و أفضل أيضاً .. أنا فرحة لوجودي هنا ..
أنا أعيش هانئة .. مع أسرة رائعة .. و لكـن .. الشيء الوحيد الذي يعكر صفو حياتي هو ..
أننا نملك بشرة سوداء قاتمة .. و هذا يجعل بعض الفتيات المغرورات في المدرسة ينفرن مني ..
و كذلك سامر يعاني المشكلة ذاتها .. و لكني أتعذب أكثر ..
فأنا فتاة ..و أريد أن أكون جميلة جذابة .. كبقية الفتيات ..آه .. هذا الأمر يزعجني جداً ..
والدي مسافر إلى بلادنا الأصلية لأيام قليلة .. فقط لكي يرى أصدقاءه ..
و لكنه اتصل لنا منذ أيام لكي يخبرنا بأن شخصاً آتٍ معه .. ( ابن صديقه )
أمرنا بتجهيز غرفة له جيداً .. لأن ( الشخص ) هذا .. سيسكن معنا في بيت واحد تحت سقف واحد ..
أنا لم أعلم عن هذا الأمر الكثير .. بينما كانت أمي تكاد تنفجر غيظاً ..
تحول المخزن إلى غرفة أنيقة جداً .. أهو ملك آتٍ للعيش معنا ؟!! إن غرفته تفوق جمال غرفتي بكثير..
و اليوم سيرجع أبي معه ( الملك ) الآتي للعيش معنا ..
الآن أنا مع أمي نشتري طعاماً ( أنيقاً ) .. استقبالاً للملك الآتي ..
سامر يكاد يجن عندما رأى الكثير الأطعمة المختلفة المرتفعة الثمن .. و اللذيذة .. التي لم نشتريها من قبل ..
و لم نعتد على تناولها .. و لكن مؤكد .. أن ( الملك ) الآتي اعتاد على تناولها ..
هنا انتهينا من شراء الأطعمة .. و ها نحن نقف ننتظر سيارة أجرة توصلنا إلى منزلنا ..
خاطب سامر أمي متنهداً :" آه أمي .. إلى متى سنبقى نصعد سيارات الأجرة ؟!! ألن نشتري لنا سيارة ؟!! "
" إلى أن يتحسن وضعنا أكثر .. "
ها هي سيارة أجرة تقف سامحة لنا الصعود ..تراكضنا لها .. و صعدناها .. فانطلقت نحو منزلنا ..
و هناك توقفت .. هبطنا جميعاً .. فاستوقفنا السائق :" هيه .. أين حقي من المال ؟!! "
استدارت أمي للسائق متنهدة :
" أوه سيدي .. لقد نفذ مالنا كله بسبب شراءنا لهذه الأطعمة الغالية .. لن أستطيع أعطائك أي قرش "
صرخ الرجل :" ماذا ؟!! .. "
و بدأت أمي تشاجر الرجل كالمعتاد .. ألا و يخرج أبي من المنزل .. آه أنه أبي .. لقد رجع من سفره ..
اقترب من السيارة ماداً يده حاملاً بها أوراق نقدية :" هذا هو حقك يا سيد "
انصرف السائق.. فرمى سامر نفسه بأحضان والدي .. و انقضت هدى هي الأخرى على والدي ..
" بابا .. اشتقنا لك "
" أبي ما أسعدني برؤيتك "
و ها هو والدي الغالي يحمل هدى على كتفه .. و يضمني أنا بذراعه الأخرى و يمشي نحو المنزل .. و تتبعه أمي و سامر فرحان .. لقد اعتدنا على سفر والدي المتواصل ..و لكنه يظل غالٍ على قلوبنا جميعاً ..
أخذت أنا و سامر ندور في المنزل فرحاً لقدوم أبي.. و ها هي أمي تضع أكياس الطعام في المطبخ .. و تعود لتشاركنا فرحنا .. انهمكنا في الصراخ و الفرح .. فقاطعتنا أمي سائلة والدي :
" أبا سامر ؟!! ألم يأتِ الضيف ؟!! لقد اشترينا طعاماً فاخراً جداً ترحيباً به "
ابتسم والدي :" بلى .. أنه تعب جداً .. لذلك تركته ينام في الغرفة المجهزة .. أي الغرفة الخاصة به "
و قال ممازحاً أمي :" لمَ الانزعاج ؟!! أنه فتى لا يبلغ من العمر سوى عشر سنوات .. و ليس رجلاً "
نهض سامر و قال بخبث :" أريد رؤيته "
فصرخ به والدي :" لا .. لا تدخل عليه الغرفة فجأة .. فهو ينزعج من ذلك .. ثم لا أريدك أن تحادثه بأسلوبك هذا .. يجب أن تراعي المزاج الذي عليه .. لأنه مزاجي جداً "
قلت ساخرة :" آه .. كل هذا ؟!! قلي أبي .. أهو ملك ؟؟ "
" لا ليس ملكاً .. بل طفلاً .. و لكنه ليس عادياً "
" كيف ذلك أبي "
" الطفل يعاني مرضاً نفسياً "
شهقت أمي .. :" رباه .. "
" نعم .. و سوف أرسله إلى عيادة نفسية إلى أن تستقر الأمور "
بدت أمي مضطربة .. و في الوقت نفسه .. سامر متحمس جداً ..