بعد ذلك تجمعنا نتناول طعام الغداء .. عادل فضّل تناوله غداءه في أحد بيوت أصدقاءه .. و هنا تتناول هناء و هيفاء و أبنائهما معنا طعام الغداء .. حيث كانت غيداء تجلس بجانب ابنها وائل و تهيأ له طعامه .. أصبحت تهتم به أكثر من اللازم .. كما تقول ( تخشى أن تفقده هو الآخر ) .. أنها لا تعرف أن عندما يعود خالد طبيعياً .. سوف يكون ابناً جديداً لها .. و ليس خالد المعقد الغامض المريض ..
و هنا تتناول سمية غدائها و تهتم بأختها مروة .. يا لك من عاقلة و ناضجة و واعية رغم صغر سنكِ ..
و إياد يجلس بقرب أخاه سالم .. هناك فرقاً كبيراً بينهما .. إياد أصلع .. و سالم شعره كثيف ..
إياد لون عينيه فاتح و سالم لون عينيه قاتم .. إياد شجاع .. سالم جبان .. إياد متفوق في دراسته .. سالم يهمل دراسته .. و الكثير .. الكثير ..
و بقرب هناء تجلس نهلة و أختها ليلى .. و أخاهم ماجد .. نهلة عنيفة .. و ليلى رقيقة .. و المسكين ماجد ليس لديه شخصية ..و هنا تطعم هيفاء بناتها الثلاث .. منى تحادث أختها سارة .. أظن أنها أسرار الفتيات ..أروى تبكي لعدم اهتمام شقيقاتها بها .. أنها الصغيرة المدللة ..
لو كان خالد معنا .. ماذا ستكون نظرة الأطفال له .. هل سيظلون ينفرون منه ؟!! أم ماذا ؟!!
أم سيحظى إعجاباً منهم ؟!!
---
في صباح اليوم التالي فكرت في زيارة خــالد .. فكرت أن أصطحب غيداء معي و لكن لا أظنها ستقبل .. و طلبت من عادل ذلك و لكنه نهرني .. و قال لي :" هذه آخر مرة تذهبين لزيارة خالد "
و حتى إذ كان مريض نفسياً ؟!! يا لك من قاسٍ يا عادل .. حسناً .. إذ كانت آخر مرة ..
سوف أقضي يومي معضمه هذا هناك ..في تلك العيادة النفسية ..
اصطحبت معي الصغيرة ليلى .. تعلقت بها .. فأنها لطيفة جداً ..
تجهزت جيداً ,, و صعدت السيارة .. حاملة معي الورقة التي كُتب فيها عنوان العيادة النفسية ..
انطلقت بالسيارة متجهة لها .. و على المقعد الآخر تجلس ليلى و تخاطبني :
" إلى أين سنذهب ؟!! "
ابتسمت :" إلى شخص ستحبينه كثيراً "
" من هو ؟!! "
غمزت لها :" سوف ترينه بنفسك .. و حينها أخبريني برأيك فيه "
أخذت تفكر .. علّها تتخيله .. ثم قالت بحماس :" هيا .. أريد رؤيته بسرعة "
ضحكت :" أمرك سيدتي .. "
أسرعت بالسيارة إلى تلك العيادة النفسية .. حتى وصلنا .. فخاطبت الصغيرة :" هنا يقيم .. "
دُهشت الصغيرة :" بيته كبير أنه محظوظ "
محظوظ ؟!! وجوده في كوخ صغير أفضل من إقامته هنا ..
نزلت من السيارة و مشيت مع الصغيرة متجهتين نحو العيادة ..
و عندما دخلنا العيادة .. رأيناالعديد من الناس .. الصغير و الكبير .. مشيت مع ليلى نحو إحدى الممرضات .. و سألتها : عفواً أين أجد غرفة المريض خالـد عادل ؟!! "
ألا و أفاجئ بطبيب يخاطبني :" أأنتِ والدته ؟!! "
التفت للطبيب و ابتسمت :" لا .. أني عمته .. "
" الطفليحتاج لمن يزوره .. أهذه أول مرة تزورينه ؟!! "
" نـــعـــم "
" أرجوا أنتداومي على ذلك .. "
نكست رأسي :" الأمر ليس بيدي .. "
الجزء الثالث عشر
زيارة خاصة
حملق بي الطبيب .. ثم خاطبني مستغرباً :" كيف ذلك ؟!! "
" أباه يمنعني من ذلك .. يقول لي دائماً ( دعيه يُعالج بهدوء ) .. "
قال الطبيب مقطباً حاجباه :
" زيارة أسرة المريض له تشعره أن هناك أُناس يحبونه و يهتمون به و ينتظرون عودته.. و هذا يدفعه لتقبل العلاج النفسي .. "
طأطأت رأسي :" أمه و أباه لا يفكرون هكذا .. يعتقدون دائماً أن القسوة هي الحل الأوحد "
أشار بوجهه سلبياً :" تفكيرهما خاطئ جداً .. ذلك سيزيد سوء حالة الطفل النفسية "
سألته :" أأنت الطبيب المشرف على علاجه ..؟!! "
" نعم أنا هــــــو "
" هل لنا أن نتحدث قليلاً في أمره ؟! "
" بالطبـــــــــع .. "
مشيت خلفه متجهة نحو مكتبه .. و الصغيرة ليلى تسألني بين الحين و الآخر :
" أين هو ذلك الشخص ؟!! متى سيظهر ؟!! لقد مللت انتظاره "
" الصبر .. الصبر يا ليلى "
رحب بنا الطبيب في مكتبه فجلست أنا و ليلى على المقاعد ..
و جلس هو على مقعده و خاطبني :
" أرى الطفل له قدرة على التفكير و التخيل و التنبؤ و الاختراع أيضاً ..
طفلكم موهوب .. و لكنه استغل موهبته في غرض خاطئ ..
أرى أنه يحب القتال و العنف و أدوات ذلك كالسكاكين بجميع أحجامها .. "
هززت رأسي :
" نعم .. لاحظت ذلك "
عرض الطبيب أمامي مجموعة من أشرطة الفيديو للأفلام الأجنبية و مسلسلات كرتونية و أفلام مرعبة .. و غيره الكثير ..
و قال مشيراً إلى شريط لفلم مرعب قتالي :
" لقد عرضت على خالد هذه المجموعة و خيرته فيها .. فاختار هذا الشريط .. أي أنه لازال يحب العنف و القتال و الدماء و غيره "
" و كيف ستعالجونه سيدي ؟!! "
" سأرى كيف سأعالجه .. و لكن تبين لي أن لا أحد اهتم به..
أي أنه لا يبد اهتماماً بأهله .. فلا يحدثني عنكم .. أرجوا الاعتناء بهذا الطفل جيداً"
..خاطبني الطبيب مشيراً إلى الباب :
" يمكنكِ رؤيته .. "
نهضت و شكرت الطبيب .. ثم اتجهت نحو مجموعة الغرف باحثة عن غرفة خالد ..
جميع الغرف يصدر منها صراخ و إزعاج .. رباه المرضى النفسيين مجانين حقاً ..
ها أنا أقف أمام غرفة خالد التي لا يصدر منها أي صوت ..
فتحت الباب .. ياه !! الغرفة هادئة جداً .. و نسمات دافئة تداعب الستائر ..
سألتني ليلى :
" أين هو ؟!! "
أخذت أدير عيني على الغرفة باحثة عن سرير أجد عليه مريضي .. ( مريض ) كلمة تناسب خالد و لكنها تشوهه في عيني .. خالد ليس مريضاً .. خالد عبقري و موهوب .. و لكن لا أحد يشعر به (للأسف) .. و لا أحد يفهمه .. تقدمت خطوتين و أنا أبحث عنه .. ألا و تركض ليلى إلى جهة من الغرفة و كأنها وجدت شيئاً .. لحقت بها .. فإذا بي أجد سريراً أبيضاً يحمل فوقه خالد المتكوم على نفسه .. أنه نائم بهدوء .. لا !! ليس بهدوء ..
يقبض بأصابعه الوسادة التي يكاد تمزيقها ..
حتى لو كنت نائم تهوى القتل ؟!!
أني أجدك غريباً عجيباً و رهيباً .. اقتربت منه و مسحت شعره و جسده بلطف و خاطبت ليلى بهمس :
" هذا هو الشخص يا ليلى .. مـ... "
قفزت هي فوق السرير .. و قربت وجهها لوجه خالد .. و خاطبتني بصوتٍ عالٍ :
" أنه رائع .. من هو ؟!! و ما اسمه ؟!! "
كان صوتها كفيلاً بإيقاظ خالد .. فتح عينيه بهدوء .. و نظر إلى الطفلة .. ثم نظر إلي مقطباً حاجباه ..
و بصوتٍ جاف و هادئ خاطبني :" لمَ أتيتِ ؟!! "
يا إلهي لقد اشتقت إلى نظرته تلك .. و همساته النادرة .. اشتقت له .. و لكن لحظة ..
من الغلط أن أكافئه على قتله بعطفي و حناني .. قد يظن الأمر سهلاً ..
حسناً !! يجب أن يكون قلبي جامداً قليلاً ..اقتربت منه .. و جلست بقرب ساقيه المتمددتان.. و رمقته بنظرة حادة .. :
" أتحسب أن ما قمت به أمر يُنسى بسرعة ؟!! "
أدار رأسه نحو الطفلة .. يتجاهلني إذاً ؟!!.. صرخت به :
" لا أظنك مجنوناً لتفعل ما فعلت .. كنت أظن أن عقلك أكبر من عقول الكبار كلها و لكني اكتشفت أخيراً .. أن عقلك أصغر عقل هذه الطفلة المسكينة .. لمَ فعلت ذلك ؟"
لم يتجاهلني بهذا الشكل ؟!! أنا سأموت قهراً .. و هو لا يبالي بمن حوله ..
حدقت به بغضب شديد و هو لا يعيرني اهتمام حتى و لو بنظرة .. فكان يحملق بالطفلة بنظرته تلك ..
أخذت أناديه بهدوء ..لعل الهدوء ينفع معه .. و لكنه تجاهل نداءاتي كما توقعت ..
زاد غضبي .. فصرخت بصوتٍ عال .. و كأني مجنونة .. فزعت الطفلة .. و صوّب هو نظراته الحادة نحوي .. كانت كالسهام حقاً ..
أظن أني جننت .. لمَ أصرخ بهذا الشكل .. لكي ألفت نظره ..؟!!يا لي من مجنونة ..
" لمَ الصراخ ؟! "
سألني !! .. بغضب ..
و الطفلة تحملق بي باستغراب ..
أجبته :
" لتشعر بي يا فتى "
نكس رأسه .. ثم عاد يسند ظهره على الوسادتين التين خلفه ..
يتنهد .. بملل .. و ضيق .. ثم رمقني بنظرة ناعسة رمادية كئيبة ..
سبق و رأيتها من قبل .. أطلقت على خالد لقب الغامض و الغريب و اللا مبالي .. و لكن هناك لقب جديد يناسب خالد... " الكئيب "..
أحياناً تمتزج نظرة كئيبة بنظراته الغريبة تلك ..
أرى في عينيه حرمان .. وجع .. أنه إنسان لديه قلب يشعر كما نشعر نحن .. و ليس كما يظن الجميع ..
هنا بقيت أحملق به و هو يحملق بي بصمتٍ شديد ..
أتأمل تلك العينان الناعستان الرماديتان .. ذاك الوجه الشاحب الحزين ..
حاجبان كانا يعنيان لي قوته .. و لكني الآن أراه ضعيفاً جداً ..و صوته .. الثمين ..
الذي لا نسمعه إلا نادراً .. صوت جاف جداً .. و لكنه رائع ..
تأملت فيه كل شيء و كأني للمرة الأولى أراه فيها ..
و هو يحملق بي تارة .. و يغمض عينيه تارة .مرهق و تعب جداً .. قطعت أنا ذلك الصمت متنهدة :
" أيعجبك وجودك هنا ؟!! "
أعاد بناظريه تجاهي .. حملق بنظرته الغريبة .. و بزفرة عميقة أجابني :
" نعم .. أنه يريحني ..من كل شيء "
" خالد .. سمعت من عادل أنه يمكنك زيارتنا في المنزل .. و لكن بإذن الطبيب .. ما رأيك أن.. "
و ما كدت أن أكمل جملتي .. حتى رفع يده مقاطعاً إياي .. همس :
" هنا منزلي !! "
حملقت به طويلاً بأسى و حـزن .. و رأفة بحالته هذه ..
ثم أشرت إلى الطفلة مغيّرة محور الحديث .. و قلت بابتسامة :
" خالد .. جئت بهذه الطفلة لتراها .. أحببتها كثيراً .. و أنا متأكدة أنك ستحبها أيضاً .. "
أدار برأسه نحو الطفلة .. حملق بها مقطباً حاجباه .. و نظر إلي و قال :" من هذه .. أهي ابنتكِ ؟! "
ربـاه .. طعنة ما بعدها طعنة ..!! أنا لا أنجب أطفالاً خالد ..
ألا تعرف ذلك ؟!! لماذا تسألوني هذا السؤال مراراً و تكراراً ,,
أدور الأم يناسبني لهذه الدرجة ؟!! أم أنكم تنوون قتلي بكلماتكم الجارحة هذه ؟!!
نكست رأسي و بلعت صرختي .. و أعدت النظر لخالد الذي ينتظر إجابتي ..
همست ..:" لا .. أنا لا أنجب أطفالاً .. ألا تعلم ذلك ؟!! أنا لست متزوجة .. ألا تعلم ذلك ؟!! "
حملق بي .. ثم نكس رأسه .. و كأنه شعر بي .. بحزني و أساي .. ،، بتحسري على ما حرمت منه ..
ثم أدار برأسه نحو الطفلة و سألها ..:" من أنتِ ؟!! "
ضحكت الطفلة .. أمسكت ذراعه بمرح .. :
" ليلى .. أسمي .. أنا .. ليلى .."
تضحك .. و تسحب اللحاف .. و تقبض بأصابعها على ذراعه ..،ـ
ربـاه .. ليلى .. كفاكِ تدللاً .. خالد ليس أخاك ماجد الذي يتحملكِ و يتحمل دلالكِ. .
من تجلسين بقربه .. هو أعظم طفل رأيته على وجه الكرة الأرضيـة ..
و بنظرته الحادة تلك .. سوف يحطم كل خلية في جسدك هذا ..
ابتسمت أنا و خاطبت ليلى :" كفاكِ ليلى .. "
كان هو يحملق بالطفلة باشمئزاز .. و بنظرة غضب حادة جداً .. هو يزيد غضباً و اشتعالاً .. و هي تزيد دلالاً..
نهضت أنا و اقتربت من الطفلة حملتها بلطف و خاطبته :" أنها ابنة خالتك هناء .. ألا تعرفها ؟!! "
حملق هو بالطفلة و قال :"بلى .. "
نظرت للطفلة أنا .. هي معجبة جداً بخالد .. تحاول أن تتحرر في ذراعي و تقذف بنفسها على السرير .. فتركها و عدت إلى مقعدي ..
و هنا عادت هي بلهفة إلى مكانها .. فوق السرير .. بقرب خالد .. أمسكت بذراعه مجدداً .. يبدو أنها فضلّته على بقية الفتيان المدللون ..
همست هي في أذنـه :" ما أسمك.. أنت ؟! َ "
نظر إليها باحتقار شديد .. ثم نظر إلي يتجاهلها ..
أنا لا أفهم !!
لمَ يتجاهل من يهتم به ؟!! لمَ لا يهمه أمر أي شخص في هذه الدنيـا ؟!!
و لكني لازلت أرى في عينيه تلك النظرة الكئيبة .. اقتربت منه و سألته :
" خالد !! ماذا دهاك ؟!! لم كل هذه التعاسة ؟!! لم أنت حزين هكذا ؟!! "
أخد يرنو إلي بنظرة طويـــلة .. ثم نكس رأسه و خاطبني بهمس :
" متى سوف سأسافر أنا ؟!! "
سفـر ؟!! من تحدث عن السفر الآن ؟!!
أردفت مستغربة :" أي سفر ؟!! خالد .. أنت ستسافر ؟! "
رفع رأسه و حملق بي .. أجاب :
" ألا تعلميـن ؟! أبي قال أنه سيرسلني لعيادة أخرى في بلد آخر .. لأعالج فيها لمدة خمس سنوات .. و عندما أنتهي من العلاج سوف أبقى هناك فترة عشر سنوات إضافية .. أي سيكون المجموع .. خمسة عشر سنة .. كلها سأقضيها غربة خارج البلاد .. بعيداً عنكم "
فجعت قلبي !! خـالد ..
الجزء الرابع عشر
معركة !! عنيفة !! .. لأجلك !!
كان ما قاله صدمـة لا تصدّق .. أيعقل أن عادل كان يخطط لذلك بدون استشارتي ؟!!
كأني في دوامة من علامات الاستفهام .. كيف ؟ لماذا ؟ أخبروني ...!!!
انفجرت غضباً و غيظاً .. و سحبت الصغيرة خارجة من المشفى .. صعدت السيارة و قدتها بسرعة فائقة ..
و ما إن وصلت .. حتى نزلت من السيارة راكضة نحو المنزل و خلفي تركض الصغيرة ..
قرعت الجرس .. ففتح الأطفال الباب .. فاندفعت للداخل و سألتهم :" أين عادل ؟!! "
ها هي غيداء تطل من الصالة قائلة :" لم يأتِ بعد من عمله .. ما الخطب ؟!! "
بقهر أجبتها :
" أظنك على عِلم بما سأقوله الآن .. لماذا أنا آخر العالمين بالأخبار المفجعة هذه ؟!! لماذا تفعلون بخالد هذا ؟!! "
وجدت في عينيها استغرابا و دهشة .. حيث اقتربت مني و خاطبتني ..:
" ذكرى .. ما به خالد ؟!! ما بكِ أنت ؟!!و ما به عادل ؟!! أجيبيني "
" أخبرني خالد أنه سيسافر إلى بلد آخر ليعالج في عيادة أخرى .. لمدة خمسة عشر سنة .. "
ابتسمت :" أعلم عن هذا "
حملقت بها بغضب .. :" كنت أظنك ستحزنين لأمر ابنكِ .. ابنكِ الذي سيسافر عنكِ لمدة خمسة عشر سنة .. أي سيكون عمره عندما يعود .. خمسة و عشرون سنة .. "
و ابتسمت هي بخبث :" و قد لا يعود .. "
صرخت بها :" كفاكِ .. كفاكِ "
" تعودت أنا على فراقه .. فذلك الأمر لا يؤثر بي .. فليذهب هو و جرائمه إلى الجحيم "
صرخت :" أوه .. كفى غيداء .. أنه ابنكِ "
و بكل قسوة تردف:" أي ابن تقصدين؟! ابن مريض ملوث عقلياً .. مجرم .. قاتل .. بلا مشاعر و لا أحاسيس "
صرخت بكل قوتي :" لا .. غيداء لا تكوني قاسية هكذا .. أنه ابنكِ .. أنه يحتاجك .. أنه يحتاج حنانك و عطفك"
استدارت باسمـة .. و اتجهت نحو أحد المقاعد الصالة .. و جلست ..
و ألقت نظرة على الأطفال الذين اندفعوا خارج المنزل ليلعبوا في الحديقة .. و بعد خروجهم خاطبتني :
"لقد أوهمت الأطفال .. أن .. "
صمتت و كأنها تريد اختيار الكلمات المناسبة .. اقتربت منها و همست :" أكملي .. "
حملقت بي :" سأخبرك .. بشرط أن لا تغضبي "
بحماس أردفت :" هيا .. قولي ما لديك "
" ممم .. لقد أخبرتهم بأن خالد قـد ... .. "
" ماذا ؟!! خالد ماذا ؟!! أكملــي بسرعــة "
" لا تغضبي "
" لـن أغضب .. لن أغضب .. فقط تكلمي "
نكست رأسها باسمة :" أخبرتهم أنه ... .. "
ماذا ؟!!
رفعت رأسها و ملامح الجد ارتسمت على وجهها و بكل ثقة و جرأة تقول :
" مـــــــــات "
===========================================
" مــات ..!! "
صُدمــت .. اصفر لوني و انعقد لساني .. حملقت بها بعينان تكادا تخرجان من محجريهما ..
تسمرت لبرهـة .. توقفت أنفاسي .. بل توقفت كل التيارات الهوائية .. و توقف قلبي عن ضخ الدم ..
و توقفت رأيتاي عن سحب الأكسجين .. بل حبست الثاني أكسيد الكربون دون إخراجه ..
و غيداء تصلبت ملامحها .. و هي تنظر إلي بوجل ..
تجمدت تلك الابتسامة الخبيثة حتى انكسرت .. و حلت مكانها ملامح القلق ..
و أخيراً .. تدافعت كمية كبيرة من الهواء داخل جسدي .. أخذت أتنفس بعنف ..
و تدافع الدم إلى الشرايين و الأوردة في جسدي ..
من أطراف قدمي إلى قمة رأسي .. و حينها احمر وجهي غضباً ..
زدت شراسة و عنف ..
و كأني أسد جائع .. اندفعت نحوها ..
لا شعوريا ..
هاجمتها و وجدت خصلات شعرها تجذبني لشدها .. و جسدها الممتلئ يجرني لتحطيمه ..
في دقائق .. بل ثوان ,, بل لحظات .. شعرت إني قضيت عليها ..
بعدما غابت صرخاتها عن مسمعاي ..
و لكني كنت مخطئة .. ألا و أجدها تقف أمامي تحمل وسادتين ..
دم يسيل من فمها .. و شعرها منشور ..
و غضب و خوف و وجل .. كل تلك الملامح على وجهها ..
و الآن ..
!!
تهاجمني بالوسادتين ..
و أنا أهاجمها بذراعي ..
و هنا ..
يبدأ الصراع العنيف ..
حولنا تقف الخادمات مذهولات .. مترددات ..
و تسود الصالة صمت غريب ..
و هجوم من كلا الطرفين ..
ركل منها .. و صفع مني ..
تخدشني .. فأشوهها ..
تدفعني .. فأرطمها بالجدار ..
كنا كلبؤتين عنيفتين .. شرستين .. مجنونتين .. متوحشتين ..
لا شيء يوقفنا .. إلا الأسـد ..
نعم ..
أنه الأسـد الكبير ..
==============================================
هنا .. عادت إلينا الإنسانية .. و الخجل .. و الندم .. و العقل ..
بعد أن وقف عادل يحملق بنا بدهشة لا توصف ...
أقف أنا أمامها منكسة الرأس و هي كذلك أيضاً ..
صُدم عادل ..
" أخبروني .. ما الذي حدث "
حسنـاً .. لا شيء يمنعنا من إخباره ..
--
كنت أنا و غيداء رمز النعومة و الهدوء ..
و لا أحد كان يتوقع من منا ( الضرب أو حتى النطق بكلمات جارحة )..
حســناً .. لست نادمة .. كل ذلك لأجل .. لأجل خالد ..
لأنه لم يمت ..
و كيف توهم غيداء الأطفال أنه مات و رحل ..؟!!
بررت غيداء أنها لم تريد أن يتعلق الأطفال به ..
لأنه سيسافر .. فلم تجد حل غير أن تكذب كذبتها البشعة هذه ..
و هنا عادل وافقها الرأي . فجننت .. و حقدت على الاثنان ..
قبل أن يكتمل تحقيق " عادل " في أمر المشاحنة هذه ..
انطلقت نحو غرفتي .. و هناك بكيت بكاءاً مريراً .. على الصغير المسكين ..
خـــــــالـــد .. الذي لا يعلم ما الذي تفعله أمه ..
أريد رأيكم أنتم .. يا قراء هذه القصة ..
أليس مسكيناً ؟!! أليس مظلوماً ؟!! أليس محروماً ؟!!
ضممت إلى صدري صورته .. و قبلتها بحرارة ..
عزيزي.. لن تبتعد عن عيني ..
لن أدعهم يفرقون بينك و بين وطنك حتى ..
حسنـاً .. أنا أعرف أنك لن تصدق أني شرسة لهذا الحد .. و لكن ذلك دفاعاً عنك .. أيرضيك أن يدّعونك بالميت و أنت على قيد الحياة ؟!!
أنا آسفة .. فقد خدشت وجه أمك الجميل .. فعلاً فهو جميل .. و لكن وجهك أجمل..
أتعلم ؟!! لقد اكتشفت إني أقوى منها .. رغم أني أرشق منها و أصغر منها بأربع سنين ..
و لكنها أيضاً آلمتني .. و على كل هذا .. يدافع أباك عنها ..
و لا يكترث بما قالته عنك ..
ترى هل سيهمك ما جرى اليوم ؟!! لو أخبرتك ..
و لكن ..
متى سألاقيك لأخبرك ؟!
( بني و صغيري )
==
في صباح اليوم ... نهضت من سريري متجهة مرآتي .. أتفحص هذه الخدوش ..
يال طول ظفرك يا غيداء .. لقد شوّهتِ وجهي ..
رفعت ظفري .. أنا أيضاً شوهتُ وجهك بأظافري الطويلة ..
آه .. هل يستوجب علي الذهاب لعملي ؟!!
أنا تعبة نفسياً و جسدياً .. و هناك شيء آخر .. أنا لا أريد الذهاب للعمل بوجه مشوه ..
على الأقلسأنتظر إلى أن تبرأ الجروح قليلاً .. أبدو و كأني مشردة ..
يال السخف .. معركة عنيفة .. لأجل طفل ..!!
و لكنه يستحق مني دفاعاً ..
أنه ابني .. من حقي أن أعتبره ابني .. فأمه لا تعترف به ..
حاولت العبث بأحد الجروح .. إلا أني آلمت نفسي .. :" آه .. آه .. رباه .. مؤلم "
هنا فتح باب الغرفة .. وأنا ألتقط المرهم بغضب .. :" اللعنــة "
و عبر المرآة أرى سمية تدخلمرتدية ملابسها الخاصة بالمدرسة ..
تقترب مني ضاحكة .. تسخر من وجهي :" ههه .. تبدين كالوحش "
استدرت لها غاضبة .. فقالت هي :" ذكرى .. ما سبب خلافك معغيداء ؟!! "
" لا شأن لكِ "
مالت بجسدها علي .. :" أوه .. ذكرى .. أخبريني .. ألست أختكِ ؟! "
" لا ! "
" ذكرى .. أخبريني "
" ابتعدي ! "
أخذت أضع المرهم على جرحي بخفة صبعي .. و أنا أحادث سمية التيتحوم في الغرفة و تتفحص كل شيء ..
تلك أختي .. عادتها التطفل و الفضول ..
صرخت بها :" هيه .. أنتِ .. أليس من العيب أن تفتشي في حاجات أختكِ الكبرىهكذا .. ؟!! "
التفت إليها .. كانت واقفة أمام المكتبة .. تمسك بورقة .. وتقول بوجل و رعب :
" أليس .. أليس هذا هو .. المرحوم خالد "
أوه .. لا