تكوين الأسرة المسلمة
د. عيسى العمري
إن الأسرة هي الخلية الأساسية التي يتركب منها جسم المجتمع الكبير، وما المجتمعات إلا مجموعة أسر تعيش معاً، ترتبط فيما بينها بقوانين وأنظمة تحكمها، وبذا تتكون الدولة ويكون الوطن.
فإذا كانت الخلية الأساسية (الأسرة) سليمة قوية كان المجتمع كله سليماً قوياً، وإذا كانت الأسرة مفككة في علاقاتها، متباينة في الفكر والسلوك، انعكس ذلك كله على المجتمع فاصبح مفككاً مهزوزاً ومهزوماً، ولقد اهتم ديننا الحنيف بمراحل بناء الأسرة حتى تستقيم مهامها وتؤتي ثمارها كخلية صالحة في المجتمع ليصلح المجتمع كله.
وأول مراحل بناء الأسرة هو اختيار الزوجة، فقد وجهنا الشرع الحنيف عند العزم على تكوين الأسرة أن نحرص على اختيار الزوجة، حيث إنها أهم ركن من أركان الأسرة، إذ أنها المنجبة للأولاد، وعنها يرثون كثيراً من المزايا والصفات، وفي أحضانها تتكون عواطف الطفل وتتربى ملكاته، ويكتسب كثيراً من عاداته وتقاليده، ويتعرف دينه، ويتعود منها السلوك الاجتماعي إلى حد كبير.
وإن رسول الله (ص) قد أرشدنا لأن ننتقي الأزواج فنختار الأفضل منهن، صاحبة الدين والخلق، قال عليه الصلاة والسلام: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)).
ومعنى ذلك إن الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنت على ذات الدين واظفر بها واحرص على صحبتها والزواج منها.
فاختيار الزوجة الصالحة أول خطوات السير الصحيح لبناء الأسرة القوية المتحابة المترابطة، القادرة على تنشئة الأبناء نشأة سليمة، حيث تربيهم على أدب الاسلام وتصقلهم بالإيمان، وبمثل هذه الأسرة يقوم المجتمع كله على أساس كريم وبناء متين، يضطر كل من يعيش فيه أن يتخلق بعاداته ويتأدب بآدابه.
ولما كانت تربية الأطفال هي الخطوة الأولى التي تبدأ بها الأسرة مهماتها، لذا فلا بد من العناية التامة بتلك الغراس الصغيرة واللبنات اللينة حتى تشب على أساس متين وفكر سليم وسلوك قويم، وصدق رسول الله (ص) في قوله: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول)).
فالطفل بجوهره خلق قابلاً للخير والشر جميعاً، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين.
والأولاد والزوجة إنما هم أمانة عن الآباء، وفي صحائفهم يكتب ما يفعلون، وإنهم عند الله تعالى عنهم المسؤولون، فحذار من ضياعهم وإهمالهم. قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم)) (سورة الأنفال 27 / 28).