عرفنا فيما سبق أن القرآن الكريم لم يتعرض للعن أو سب شخصٍ بعينه
عدا إبليس ولم يكن القرآن يدعو إلى ممارسة اللعن والسب فيما بين
أفراد المجتمع حتى ولو كان الطرف الآخر عدواً فهناك طرق عدة
لمواجهته ومراتب مهيأة لجهاده قد وضحها القرآن الكريم .
بإمكاننا حصر اللعن في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
تحت ثلاث حالات نناقشها بالتفصيل :
1)النهي عن اللعن والسب والشتم
لا نحتاج إلى سرد الكثير من القصص التي تتجلى فيها أخلاق
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فمعظمنا يحفظ الآية الكريمة:
"وإنك لعلى خلقٍ عظيم" .وهو القائل عن نفسه :
( إني لم أبعث لعاناً، و إنما بعثت رحمة) وهذا مصداق لقوله تعالى:
"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين "، تكفينا هذه الآية وما قبلها لننطلق
في سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الأخلاقية قولاً وعملاً وقصصاً ومواقفَ .
من مميزات الحديث النبوي الشريف أنه يغير المفاهيم السائدة وينقلها
من دلالتها الراكدة في الأذهان إلى معنى آخر، من ذلك مفهوم المسلم،
فالمسلم يطلق على كل من دخل في حوزة الإسلام هذا هو المتعارف عليه،
لكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم يحرك هذا المعنى وينقله إلى فهم آخر
إذ يقول : (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده).
ليشمل هذا الحديث من كان في حوزة الإسلام مطبقاً لهذه القيمة،
ومن لم يكن مسلماً بالعقيدة فهو مسلم بالأخلاق لأنه يمارس هذه القيمة العظيمة .
وفيه أيضاً حصر مفهوم المسلم في كل من يسلم الناس من لسانه ويده.
لم يكن الحصر على سبيل التحديد والحقيقة، وإنما أفاد التأكيد فقط على مفعول
هذه الصفة في المجتمع وتجلية أهميتها في الأخلاق والممارسة على أرض الواقع،
هذا جزء ممَّا يريد أن يؤكد عليه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بأن نكفَّ
ألسنتنا وأيدينا عن أذية الناس.
هناك أحاديث أخرى أكدت على هذا الجانب الخلقي، بأن تبقى علاقة المسلم بأخيه
المسلم وأخيه الإنسان على قدر كبير من الاحترام المتبادل ولا شك أن التلاعن
والتساب والتشاتم يوتر هذه العلاقة ويدمر الثقة المتبادلة بين الأطراف،
لذا فقد ورد النهي عن اللعن والسب والشتم في مواطن عدة وبدرجات متفاوتة تهديداً
أو توبيخاً أو نصحاً فلنبدأ بهذا الشعار الإسلامي المروي عنه صلى الله عليه وآله
وسلم: (ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء)، وقوله:
( لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً) وقوله: ( لا يكون المؤمن لعاناً)، وأيضاً:
(لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)
رواه مسلم ـ كتاب البر والصلة والآداب برقم 4702
ويجيء النهي وكأنه يقدم النصيحة والإرشاد كهذا الحديث:
(لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوصي أصحابه إذا طلبوه النصح ويؤكد
في وصاياه على ترك اللعن والسب والشتم،من ذلك مثلاً وصيته لمعاذ بن جبل:
(... وأنهاك: أن تشتم مسلماً،... إلخ)، ووصيته لجرموز الهجيمي :
(أوصيك ألا تكون لعاناً)
ووصيته لأصحابه حينما قال صلى الله عليه وآله وسلم :
أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ
مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا... إلخ)
وفي قصة أبي ذر حينما عَيَّر رجلاً بأمه الأعجمية فَشَكَاه إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَآله وسلم فَقِال النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسلم لأَبي ذرٍّ موبخاً ومؤدباً:
( إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ
قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ... إلخ) صحيح مسلم 8ص479
و تتضح فظاعة هذه المفردة وخطورتها في حديث آخر هو : (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا
صَعِدَتْ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأَرضِ فَتُغْلَقُ
أَبْوَابُهَا دُونَهَا ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ
فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا ) سنن أب داود ج13ص59
وهذا الحديث أيضاً: (مَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ )
البخاري ج 18ص478
وفي حديث آخر حيث جاءت مفردة السب لتدل على اللعن وهذا تأكيد للمعنى اللغوي
السابق بأن السب جزء من اللعن:
قال"إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف
يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" .
وجاء في تفظيع تناول عرض المسلم وسبابه :
(إن من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم )
المجازات النبوية – الشريف الرضي ص 350
( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) صحيح البخاري-ج 1- ص 17 - 18
ليس فقط المسلم بل حتى الكافر ففي قصة عكرمة بن أبي جهل حينما نهى رسول
الله صلى الله عليه وآله سلم أصحابه فقال: (جاءكم عكرمة مسلماً فإياكم أن تسبوا
أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت)
وفي كتاب المغازي للواقدي وردت هذه القصة:
( نَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآله سَلّمَ إلَى قَبْرِ أَبِي أُحَيْحَةَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ
وَهُوَ عِنْدَ مَالِهِ وَهُوَ قَبْرٌ مُشْرِفٌ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَعَنَ اللّهُ
صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ فَإِنّهُ كَانَ مِمّنْ يُحَادّ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ ابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ ،
وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ وَهُمَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآله سَلّمَ لَعَنَ اللّهُ
أَبَا قُحَافَةَ فَإِنّهُ كَانَ لَا يَقْرِي الضّيْفَ وَلَا يَمْنَعُ الضّيْمَ .
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآله سَلّمَ إنّ سَبّ الْأَمْوَاتِ يُؤْذِي الْأَحْيَاءَ
فَإِنْ شِئْتُمْ الْمُشْرِكِينَ فَعُمّوا ) ج1 ص926
نستفيد من هذه القصة بأن التعيين في اللعن منهيٌ عنه كونه يؤذي الأحياء .
بل إن النهي شمل غير العاقل مع أن الأذية غير متحققة في لعن
غير العاقل ولكن المسألة تربية روح وتطهير لسانٍ من كل ما يشينه،
ومحاولة إبعادنا عن هذه المفردات البغيضة لتسمو أخلاقنا بما يزينها
من المفردات الحسنة، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلاً نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ
عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله سَلَّمَ فَلَعَنَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله سَلَّمَ:
(لا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتْ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ)
سنن أبي داود ج13ص62
ومن قولٍ له صلى الله عليه وآله وسلم :
"لا تسبوا الدهر، فإنَّ اللهَ هو الدهرُ "المجازات النبوية للشريف الرضي ص231
ومن حديث آخر نهى فيه النبي عن سب الحيوانات:
"لا تسبوا الإبلَ، فإنَّها رَقوءُ الدم"المجازات النبوية ص333
ولعن رجل ديكاً صاح عند النبي صلى الله عليه وآله سلم فقال النبي صلى الله عليه
وآله سلم: ( لا تلعنه فإنه يدعو إلى الصلاة )
من خلال ما سبق من الأحاديث نخرج بنتائج لها صلة بموضوعنا منها:
1- النهي ورد بدرجات متفاوتة فمرة لغرض النصح كما في وصيته لأصحابه،
ومرة لغرض التوبيخ كما فعل لأبي ذر ومرة لغرض التهديد والوعيد كما في
حديث إن العبد إذا لعن، ومرةً بغرض التنفير والابتعاد عن مثل هذه الممارسات
كما في سباب المسلم فسوق .
2- سبب النهي عن اللعن أو السب أو الشتم مرة لأنه يؤذي، ومرة لأجل الوصول
إلى تربية عالية .
3- حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ترشيد اللعن إن صح التعبير
في بعض الحالات كما في قوله: فَإِنْ شِئْتُمْ الْمُشْرِكِينَ فَعُمّوا .
4- التشديد في النهي عن التعيين في اللعن .
5- ورود النهي عن اللعن أو السب أو الشتم للعاقل
(مسلماً او غير مسلم حياً أو ميتاً) وغير العاقل.