ثانياً: الغيرة المذمومة:
الغيرة المذمومة سببها التنافس والحسد على أعراض شخصية وأمور دنيوية, وهي أنواع منها:
أ- الغيرة والتنافس بين أصحاب المهنة الواحدة، كالتجار والحدادين والنجارين ونحوهم. فما مِن أصحاب مهنة واحدة إلاّ وتجد بينهم تنافساً وحسداً إلا من رحم الله.
ب- الغيرة والتنافس من أصحاب النعم, ولذا قالوا: (كلّ ذي نعمة محسود).
ج- الغيرة بين الأنداد, فالمعاصرة سبب للمنافرة, وأسوأ هذا النوع الغيرة بين العلماء, ونعني بذلك علماء السوء, أما العلماء الربّانيون فلا يتنافسون ولا يتحاسدون لأنهم يعلمون أن أجرهم ونوالهم من الله ذى النوال العظيم والخير العميم.
د- الغيرة بين الضرائر خاصة والنساء عامة والأطفال, ومردّ ذلك إلى الأَثَرة وحب الذات والحرص والطمع, والغيرة بين الضرائر غريزة طبيعية وسجيّة نفسية, ولو عُفِيت منها ضرّة لعُفِيت منها أمهات المؤمنين وزوجات رسول رب العالمين, فقد كانت عائشة تغار من خديجة وهي لم تراها, وسبب الغيرة بين الضرائر هو حب الزوج.
هـ- الغيرة بين الأبناء.
و- والمبالغة في الغيرة على الحريم والأعراض حيث تصل إلى درجة الوهم.
علاج الغيرة المذمومة:
مما لاشك فيه أنّ لكل داءٍ دواءٌ، إلاّ أدواء معلومة وأمراض مفهومة, منها الموت والهرم والحماقة والحسد, فالغيرة المذمومة لها أسباب كثيرة ومختلفة منها ما يمكن تجنبه والحذر منه, كل هذا بعد دعاء الله وتوفيقه, ومنها ما لا سبيل لعلاجه.
من تلك الأسباب التي تولّد الغيرة المذمومة والتنافس القبيح، والتي يمكن تداركها خاصة بين الضرائر والأبناء, وبين الزوجات من ناحية أخرى ما يلي:
أولاً: العدل والإنصاف، وعدم المحاباة في القسمة والإنفاق بين الزوجات والأبناء, فقد كان صلى الله عليه وسلم يعدل ويقسم ويتحرى الإنصاف ومع ذلك يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، ويعني بذلك الحبّ وما ينتج عنه، فهو أمر قلبي لا يستطيع المرء التحكم فيه. فكان يعدل بين أزواجه في المبيت والنفقة والسفر, حيث كان يقرع بينهن. والمراد بالعدل بين الزوجات والأولاد في النفقة أن يعطي كلاً منهم ما يحتاجه, وليس المراد التسوية في كل شيء, فما تحتاجه الزوجة الشابّة من الملابس والزينة لا تحتاجه الكبيرة, وما يكفي الزوجة ذات الأولاد يختلف مما يكفي امرأة لها ولد واحد أو لم تلد بعد.
ثانياً: العدل في المعاشرة والمعاملة والتبسّم والضحك وبشاشة الوجه بين الزوجات والأولاد, فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا وضع الحسن في فخذه اليمنى وضع الحسين على فخذه اليسرى, وكانا يركبان على ظهره الشريف في وقت واحد.
ثالثاً: في المنحة والهبة, فلا يحلّ له أن يهب لإحدى زوجاته دون الأخريات، ولا لأحد أبنائه دون الآخرين, فقد جاء بشير بن سعد ليُشهِد الرسول صلى الله عليه وسلم على ما منح ابنه النعمان. قال له: (أكل بنيك منحت هكذا؟) قال: لا. فقال له: (لا تشهدني على جور, أشهد على ذلك غيري). إلاّ إذا كان هناك ما يوجب ذلك من مرض وعاهة وكثيرة عيال ونحو ذلك, فقد منح ابن عمر أحد أبنائه دون غيره لكثرة عياله والله أعلم.
واعلم أنّ الحيف والظلم والمحاباة لها آثار خطيرة ونتائج وخيمة في الدنيا قبل الآخرة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لبشير بن سعد: (ألا تحب أن يكونوا لك في البر سواء؟).
أما بالنسبة للحيلولة بين الغيرة والتنافس بين أهل الزوج وزوجته وأبنائه فالأمر يحتاج إلى حكمة وحنكة وحسن تصرف من الزوج, حيث يعطي كل ذي حق حقه من غير إفراط ولا تفريط, وألاّ يسمح لزوجته بالتدخّل فيما يخصّ أهله, وألا يجعل أهله رُقبَاء على زوجته مع وجوده, وعليه ألاّ يتأثّر بما يقول أحد الطرفين في الأخر.
واحذر أخي الحبيب أن تكون ممن يَبَرّ زوجته ويَعُقّ أمه, ويُدنى صديقه ويُبَاعِد أباه وأخاه.
وكتبه
الشيخ/ الأمين الحاج محمد