نرفع أسمى آيات الحزن والأسى لمقام صاحب العصر الزمان (عج) .. الإمام المهدي المنتظر أرواحنا لتراب مقدمه الفداء .ونعزي جميع المراجع والعلماء الأعلام سيما ولي أمر المسلمين والأمة الاسلامية قاطبة . في الذكرى السنوية الأليمة لاستشهاد الإمام محمد الباقر (ع)
شهادة الإمام محمد الباقر (عليه السلام) سنة 114 هـ لقد ترعرع الإمام الباقر (عليه السلام) في كنف جده الإمام الحسين (عليه السلام) لمدة أكثر من ثلاث سنين، وشهد مأساة كربلاء المروعة وكان عمره الشريف يقرب من الخمس سنوات، وقد منّ الله تعالى عليه في العيش بعد فاجعة كربلاء في ظل إمامة أبيه الإمام علي بن الحسين، سيد الساجدين (عليه السلام). وتلقى علوم الإسلام وتراث الأنبياء، مضافاً لما له من خصائص العلم اللدني، طوال سنوات إمامة أبيه زين العابدين (عليه السلام) .
فكر الإمام (عليه السلام):
لقد لقب الإمام بهذا اللقب من زمن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد لقبه بالباقر، أي المتبحر بالعلم والمستخرج غوامضه وأسراره، كما تشير المعاجم اللغوية إلى ذلك. فلقد امتاز على من سواه في عصر إمامته في جميع المجالات، عقائدية كانت أو فقه أو تفسير أو حديث، بل وسوى ذلك من حقول العرفان، مما كان مثاردهشة وإعجاب أعلام الفكر والأدب، بل وما بعد ذلك، حتى قال فيه عبد الله بن عمر: إنهم أهل بيت مفهّمون.
وهذا نموذج للعطاء الفكري للإمام (عليه السلام) في رواية رواها سبط ابن الجوزي، في كتابه «تذكرة الخواص».
قال أبو يوسف الأنصاري: قلت لأبي حنيفة: لقيت محمد بن علي الباقر (عليه السلام), فقال: نعم. وسألته يوماً فقلت له: أراد الله المعاصي؟، فقال: «أفيعصى قهراً؟»، قال أبو حنيفة: فما رأيت جواباً أفحم منه.
وهنا لابد أن نشير إلى أن أبا حنيفة صاحب مدرسة الرأي المعروف كان على وضوح حين يصف جواب الإمام (عليه السلام) بهذا الوصف مع شدة إيجازه، حيث هو يعرف هذه البلبلة التي اُثيرت حول فلسفة الجبر والتفويض, التي مزّقت المنكرين والفقهاء ردحاً من الزمن. حيث وضع الإمام النقاط على الحروف ـ كما يقال ـ بكلمتين لاغيرهما: «أفيعصى قهراً», أي هل يعقل أن الله يجبر عباده على معصيته فيعصونه بالقهر لإرادته؟
مواقف الإمام الصلبة:
عاصر الإمام (عليه السلام) بعض الخلفاء الاُمويين، وهم: الوليد بن عبد الملك، سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، يزيد بن عبد الملك، هشام بن عبد الملك، وسوى فترة حكم عمر بن عبد العزيز (سنتين وخمسة أشهر) فإن الإمام بل أهل البيت (عليهم السلام) لم يعيشوا بمأمن واستقرار.
وكغيره من الخلفاء الاُمويين كان الخليفة هشام بن عبد الملك متبيناً أن مصدر الوعي والفهم الصائب هو الإمام الباقر (عليه السلام)، لذا قرر إبعاده من المدينة المنورة عاصمة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) إلى دمشق عاصمة الخلافة الاُموية، ثم أودعه السجن هناك. إلا أن وجوده المبارك وتأثيره الإلهي في القلوب أجبر السلطة الاُموية على إطلاق سراحه، وإعادته إلى المدينة المنورة مرة اُخرى، كما جاء في رواية ابن شهر آشوب في كتابه «المناقب».
أما ما رواه محمد بن جرير الطبري في كتابه (دلائل الإمامة) عن ذلك، فإنه يقول: كان بسبب تأثيره (عليه السلام) على أهل دمشق، ومناظراته مع زعيم النصارى هناك، ودحض آرائه وتبيان زيفها، والرد على كل الشبها ت التي أثارها حول الإسلام.
على أنه لا اختلاف بين الروايتين، حيث قد يكونان موقفين، وأن الإمام يتّبع الهدى والحق أينما حل أو ارتحل, وهكذا عجز الساسة الاُمويون في وسائلهم الشيطانية، فرأوا أن يصفّوا الإمام (عليه السلام) عن طريق اغتياله. فدس إليه السم الخليفة الاُموي هشام بن عبد الملك، فرحل شهيداً في السابع من ذي الحجة الحرام سنة 114 هـ، فسلام على الإمام باقر العلوم يوم ولد ويوم رحيله إلى ربه، ويوم يبعث مظلوماً شهيداً.