الجزء الثاني من مأساة ( محمود البريكان )
<span style='color:darkred'>"أيها الملاكان الحارسان على الكتفين
تعرفان - لا ريب - الوقائع بحذافيرها
من طرق الباب الخارجي إلى آخر نفس
ولكن كُتب عليكما الصمت والغياب
لا تُريان حتى بأكبر مجهر
كُتِبْ عليكما الطاعة، وطاعتكما عمياء بالمطلق
لا يمكن لكما أن تشهدا
حتى لو أنقلبت عاليها سافلها.
هل أختل توازنكما حين توالت السكاكين
هل بقيتما على كتفيه إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة؟ "</span>
كلما يطرح سؤال يحضره سؤال آخر يتشعب ثم يصوغ المنحنيات التي تمنع العين من الامتداد الطبيعي للمشاهدة، وتحجب السمع لكي لاتتوصل الآذان إلى سماع تلك الأصوات حتى لا يميزها العقل في حلكة الموقف وتداعياته، ومن أجل عدم سريان إشاعة تقلب المعادلة التي قاموا بدبلجتها في لغة سرية مبهمة.
<span style='color:darkred'>" إشاعة صغيرة في بادئ الأمر
توسّعتْ وتوسّعت إلى آخر بيت في المدينة
المدينة نفسها نشفت حيويّتها وداختْ
أشبه ما تكون بمدينةٍ تأريخية في بطون الكتب
راقبتْ نهرها يجفْ
يجف نهرها ببطء، حقيقةً، ويتشقّق طينه
لا مبرر لوجودها في هذه البقعة
البيوت لم تعد ملاذاً
والشوارع لا توصل إلى شيء
إذا عم الجفاف</span>
تحولت المعادلة السرية المخطط لها بشكل سري إلى العلنية التي كانت بذات الوقت سرية، وإلا كيف سرت إشاعة بدون فعل فاعل، ثم توسعت لتصبح حكاية في مدينة خطط لها أن تكون سرية هي الأخرى أو وهم موجود في بطون الكتب فقط لكي .
<span style='color:darkred'>" تبات المدينة مجرد ركام، وإن كانت مبنية بالذهب
المدينة بلا ماء ركام ليس إلا "</span>
مدينة تعيش الزحام الفطري والمنظم كأي مدينة من المدن التي تكتظ بالسكان أُريد لها أن تعيش بدون وعيٍ أو ثقافة لكي يتمكنوا من اغتصاب بكارتها متى يشاؤون.
التراكم الإرهابي الذي أنتج نوعية خاصة من القسوة والعنجهية ليصبح ظاهرة يعيشها الفرد العراقي، في كل لحظة من حياته، حتى أصبحت ظاهرة طبيعية كأي شيء طبيعي في الحياة، أو في الطبيعة ، ليكون التعايش والتكيف وفق مستلزمات الإلزام المعمول بهِ.
<span style='color:darkred'>" لمقتل محمود البريكان وقعُ ظاهرةٍ طبيعية
له ما للكوارث من شلّ للقوى
ما جدوى العودة إلى البيوت في تلك الليلة "</span>
أنها الانجذابات لرؤيا قاسية حيث تعودت المدينة على الصمت وساكنيها على التخدير ليخلق عجزاً في استدراك الأمور، والمدينة تتفكك تدريجياً، آجرها، وهي صورة لتفكك البلاد، تتباعد النفوس التي تسكنها في طقوس غريبة لتعيش الوحدة بمعزوفة جنائزية، بينما يتزامن سقوط الجاثوم الذي يخنق الأنفاس، يتواصل دون توقف ولا هدنة وبلا حدود.. فأصبح محمود البريكان وحده يرعف كيف جرى تمزيق لحمه، الطعنة الأولى والثانية والثالثة.. هو وحده يعرف ماذا فعلوا به وهم وحدهم يعرفون لماذا ربطوا يديه ورجليه؟..
<span style='color:darkred'>" هل ربطوا يديك ورجليك أولا ً أيها الشيخ الضعيف ؟
كما يفعل الذبّاح بالشاة في الأعياد
هل رفستْ ؟ كما ترفس الشاة عند الذبح
رفسة الشاة الأخيرة قويّة دائماً
كأنها ترمي آخر ما فيها من مقاومة"</span>
<span style='color:darkblue'>إذن الضحية لم تكن مستسلمة ضعيفة، فهناك احتمالات غير قليلة للمقاومة ولهذا طرح السؤال " هل ربطوا " وقد كانوا يحتفلون متوهجين للذبح في عرس دموي .. هل اكتفى الشاعر صلاح بالكشف عن الجريمة وشكل ونوع العملية؟ أم أنه تجاوزهما لكي لا يبقى أسيراً في حدود العلاقة الثنائية بين الضحية والجلادين؟ فأدخل عناصر أخرى مثلما فعل مع المختبرات، فأعلن عن وجود شهود حتى ولو كانوا غيبين.. الملاكان الحارسان الموجودان على الكتفيين، إنهما العنصران الجديدان الذي يستطيع بهما النيل من الجلادين ولكن كيف ذلك وهما غير مرئيان.. يقترب هنا الشاعر من يوم حساب قادم وسوف تُكتشف خيوط الجريمة، لكن صلاح بقى يبحث فأضاف إلى هاجسه شبه نداء لمخاطبة جديدة لكي يُشْرك معه آخرين</span>
<span style='color:darkred'>" أيها الشعراء، يا أيها الشعراء
ما الذي تقوله ملكاتكم
إذا أصبح الصمت لا يشبه شيئاً وكان الشحوب
خارج نطاق الألوان
إذن هيا.. ما الذي ننتظر؟ لنأخذْ
بلاطات الأرض التي فاض عليها دم محمود
نوزّعها على متاحف العالم:
هذا العراق "</span>
هذه حالة من آلاف الحالات المتشابهة أو الأكثر تعسفية منها، أصبح العراق مُدان بتهمة جديدة، لماذا هذا التغني بضرباته؟ وليس بكرمه وحنانه وحنوه على أهله..؟ عليه أن يخلص نفسه لأنه بريء من هذه الجرائم اللإنسانية، فكان وكأنه يرمز للعراق كمقبرة فائضة بالجثث وبالدماء..
ثم أليس محمود البريكان شاعراً من هؤلاء الشعراء؟ مثلهم.. كتب شعراً عن حالات متشابهة كحالته، وخلق عالماً منعزلاً عن آلة التقطيع البشري، هل كان يتوقع أن تترجم هذه الحالة على نفسه؟ لأنه عزف عن العلاقة التي تجمعه بالشر، هذه القوى التدميرية التي أدت بالشاعر صلاح إلى اتهام العراق لسببها مستعيراً ما قاله الشاعر الكبير الجواهري.
<span style='color:blue'>" هذا العراق وهذه ضرباته"</span>
لكنه يتراجع في الوقت نفسه في سبيل فضح المؤامرة عن طريق عرض جمالي لأداة الجريمة ليطالب.
<span style='color:darkred'>لنعرض ملابسه المنقوعة
في صالة جديدة للأزياء العراقية
- لتكن الأولى من نوعها في العالم -
هذه أزياؤنا الحقيقية من قديم الزمان "</span>
لقد ربط الشاعر ربطاً واضحاً بين الإنسان العراقي في حالته الراهنة وبين ذلك التاريخ الطويل المملوء بالضحايا والدماء.. فهو مسلسل كحلقات من سلاسل طويلة متصلة بقت تتجدد على مدى العصور ولا نهج لها سوى تدمير هذا الكائن الذي خلق للعالم أول حضارة إنسانية.. ولهذا يبقى الشاعر يطالب.
<span style='color:darkred'>" لنصوّر البلاطات والملابس بأدق كاميرا بالألوان
نعلقها قرب مرايا المغاسل في كل بيت
ننظر إليها كلّ صباح
قبل تعطير الذقون والذهاب إلى العمل "</span>
حالة أصبحت اعتيادية، يمر عليها النسيان ولكن نتذكرها بالمشاهدة والصورة لا أكثر.
...........
...
؛؛