عرض مشاركة واحدة
قديم 10-07-2006, 05:59 PM   رقم المشاركة : 5
ANGEL
طرفاوي بدأ نشاطه
 
الصورة الرمزية ANGEL
 






افتراضي مشاركة: حكايَةُ راحلٍ قبلَ انكِسارِ الغَبَش

اقتباس
بعد أن تبكي الحروف تطلب الأحداق حقها أيضاً

كلمات خطها أستاذنا طالب المريدين ،، في الطريق إلى طهران استعداداً للإقلاع إلى مشهد الإمام الرضا عليه السلام الذي زامن تشييع السعيد جاسم ..

أترككم معها

رحيل التلميذ مجذوباً


غالباً ما يسبقُ العاصفة هدوء، ويبدو أن المغترب أو الطالب الغربة يحتاج لذلك. وقفتي الهادئة مع الطبيعة حيث الطير، الزهر، النهر والأشجار الباسقة في أصفهان هنا.. تبدو الطيور في حديقتها بفساتينها الإلهية، فهي كتلوج رائع تتصفحه النساء خاصة لاختيار الأجمل في لباسها، والزهور تظل رمز السلام المفقود في أيامنا كثيراً. والنهر يعلمنا الثقة في المواصلة للطريق، إذ لم تكن الصخور بين مقاطعه لتَحُدَّ من تدفقه، فها هو ينسكب بين قساوتها يعزف أعذب الألحان كما هي –جاسم- إذ كان يعزف ويتلو عشقه بين قساوة المرض وطحنةِ الموت. أما الأشجار الباسقة فها هي تمد شموخها لتؤكد قرار السير مثل كلمةٍ طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
هنا –بعد كل هذا الهدوء الساحر- ترد العاصفة.. تحمل خبراً حزيناً حيث انتقال التلميذ الواعد والمبتلى إلى ربه عز وجل –وفي عقيدتي- والله أعلم- أن جاسم السعيد خير مثال للداخلين في الغربة بالجذب وبالجلال خاصة منذ أن أصيب بمرضه العُضال. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وليعذرني قارئي أن أنعاه قليلاً، خاصة أن الخبر فاجأني الآن وأنا أكتب عن هدوء الطبيعة ليجذبني معه في غربته، بعد رحلةٍ معه طويلة، فكم عاش معي منذ نعومة طموحه في طلب العلم وخدمة المبدأ المحمدي عبر الحسين عليه السلام ودفع الشباب نحو الصلاح. احتويتُ دموعه من شكوىً أطلقها في حملة الشباب الجوادية،، ثم ازدادت العلاقة عبر اللقاءات لتتخذ وضوحاً أكثر عندما سافر معي سفرةً خاصة –وإن كانت ضمن المجموع- حيث جاورني في كل شيء، بل كان يزعجني في نومي بأسئلته حتى صرت أرجئه للمصادر. وهكذا نصب نفسه تلميذاً لأتفق معه على درسٍ شبه رسمي بعد العودة في كل أسبوع. عاودني مرة لمناقشة مستقبله بعد تفوقه في الثانوية فهل يشق طريق علوم أهل البيت عليهم السلام أم الطب؟ وكان رأيي واضحاً في الدرس الحوزوي والتفرغ فرغبته وطموحه وحسّه الرسالي وموهبته وذكاءه كلها تؤيد ذلك إلا أن الرأي الغالب وقف حائلاً خاصة أنه قُبِل بالطب بسرعه.
فجأة.. وصلنا خبر إصابته بالمرض وتعايشنا مع الحدث والقدر، ولا أنسى الذكريات خاصة أنه جعل شفرة لي معه أسماها (روح الذاكرة) وجعلها عنواناً في إيميله، ومن هذه الذكريات: حزمتُ حقيبتي يوماً وليس بها سوى مفاتيح الجنان إلى محطة القطار بعدَ إخباري بقرار بتر رجله، وكنت أستجمع قلبي قبل مواجهته.. وكانت المفاجأة السعيدة حين دخلت عليه يقرأ الجريدة،، فمازحته كثيراً ودعوت الله سعيداً بإيمانه ورضاه. وهكذا توالت الألطاف الإلهية رغم قساوتها على محبوب ربه، إلا أن هذه القساوة لم تزده إلا إصراراً على حب الخدمة لدرجة أنه فاتحنى بعد حذف الفصل الأخير بسبب زيادة المرض لأكثر من شيء عام وخاص.. قال لي ليلة: الخدمة أملي الباقي وإن بُترت رجلي.
كم كان جاسم يستكمل ذاته ويسير مجذوباً نحو ربه بل كنت أستمد القوة منه كما عبّرتُ بهذه الكلمة يوم تبريك زواج أخيه أمام بعض الشباب.
رحمك الله يا جاسم ورفع درجتك مع أوليائك عليهم السلام. فوالله إن قلبي مفجوعٌ بك وأملي حزين عليك وكم أردتُ أن أمتدَّ في قلبك الفتي أكثر، وإن كنتَ قد لحقت بأبيك سريعاً وبساداتك إن شاء الله فإني أسأل الله أن أواصل معك ما طرحته معك في الدروس الأخيرة عن الفيض وعوامله وعن التواصل الروحي لأبقى امتداداً لطموحاتك.. أما ما يخفف لوعتي فهو أنني في الطريق لإمامنا الرضا عليه السلام لأبث إليه حزني واعتذاري، فوالله ما وفيت حقَّك وإن كان بعضه إشفاقاً عليك.. وإن كنتُ يا قُرَّة العين لم أُشارك في تشييعك مع المؤمنين فإني أسير معها لحظة بلحظة.. ولعل نوبات التفجُّع والدموع هي إشارات المتابعة في تغسيلك وتشييعك، خاصةً أن رفع جنازتك قد زامن إقلاع الطائرة بنا إلى مشهد الرضا عليه السلام، وقت الإقلاع واحد، لكن نزولك بساحة الرضا أسرع وأقرب.. كما أن الزيارة عنك بعد الوصول وإقامة المأتم بحضرة غريب طوس عليه السلام لعله عذري المقبول لديك. حشرك الله مع ساداتك عليهم السلام وألهَمَ والدتك وأهلك والأحبة الصبر وجزاهم الله ألف خير، فلكم واسوك وأحبوك.. إن ربي سميع مجيب.

 

 

 توقيع ANGEL :
مشاركة: حكايَةُ راحلٍ قبلَ انكِسارِ الغَبَش
ANGEL غير متصل   رد مع اقتباس