مثل كل ليلة تأتي أمي إلى فراشي تتحدث معي قليلاً تذكرني بالذي لا أنساه:
-خالد..أحفادي..
ضحكتُ بقلب مذبوح..
رمت السهم الأخير في جعبتها:
-أما زلت تريدها؟..
ظللتُ أحدق بخشبات السقف دون أن أتكلم..
-رجل بعمرك ..بحاجة إلى زوجة..لا طفلة..
التفتُ إليها ببطء:
-لكنها لم تعد طفلة..إني أعد أيامها يا أمي..
صمتت طويلا ثم همت بالخروج أطياف كلمات كنتُ أراها تتعثر عند شفتيها..
-أمي..
قلتها وهي توشك أن تغلق الباب..
-اصدقيني ..ما الذي كدت تقولينه..؟
عادت ألي وعيناها تمور في بحر من الدمع مائج..
-خالد ..سامحني يابني..
-ضي..مابها..؟
خرج السؤال خائفاً مبحوحاً..
جرّت حروفها بصعوبة:
-خُطِبت..و زواجها بات وشيكاً..
أنقبض قلبي ..أحسست بزلزال يضرب أعماقي..كل ماحولي غدا بلا ملامح
..كائنات هلامية تموج..
أمنيتي..أغنيتي..ضحكتي..ودمعتي..تلاشت كما يحترق نجم السماء..
وعاد صوتها:"عمي"يتأرجح داخلي فغاص الوجع عميقاً ..عميقاً
* * *
ضرب المرض جسد أمي بالسنين فأسرها فراشها وبقيت معها حتى سكنت
أنفاسها في ليلة حالكة تماماً..
عُدت من الصلاة عليها وفي قلبي ألف حزن ..وحزن..
البيت موحش كمعبد بوذي تسكنه الأشباح دخلت غرفتي واستلقيت على الفراش
أرتقب مجيء أمي ككل ليلة بدا الصباح ميتاً لم أسمع صوت الأواني بالمطبخ ولم أشم رائحة(حمس) القهوة.
في الفناء..بقيت أنتظر أن تأتي أمي حتى أيقنت أنها رحلت لما خلف الأفق
وعلى أنقاض حزني..نما حزن آخر وأينع..
كنت قد أكملت الثلاثين وفي الليل تسلل إلي صوت طبول من مكان قريب
فضربت جذور الأسى في أعماق قلبي وتحول كل أمل ..لحلم صيف..
أغلقت على نفسي حجرة أمي وبكيت طويلاً ..
أحسست بحزن جامح..ألم موجع:
-متى كانت آخر مرة بكيتُ فيها؟
قمتُ ألملم بقاياي وخرجت متسربلاً بالظلام وأنا أغلق الباب للمرة الأخيرة
جُرِحت يدي جرحاً مازلت أنكأه كل ليلة..كي لا أنسى..
مررت بدار (ضي) ..وتلوت تراتيل الوداع الأخيرة.
ظــــــل حيـــــــادي
هو الرحيل..
لم يتعظ..
ما زال يوقد الليل بالأسى..
ويقتل الضوء الشحيح
تاركاً الظلمة تموج في القحل..
تحياتي:
أبواق الحب
<******>drawGradient()******>