قبل سنوات عديدة كنت أقطن في غرفة صغيرة مظلمة مليئة بالماء بعيدة عن الضوضاء.
كنت سعيدةً لأنني كنت وحيدةً، لم يكن هناك من يُملي عليَّ أوامره، فكنت أفعل ما أشاء فتارة ألعب برجلي وتارة أسبح في أرجاء تلك الغرفة وعندما أحس بالعطش أبدأ أشرب من ذلك الماء الأصفر! وبعد فترة من اللعب أغطس في نوم عميق غير مبالية لما يجري حولي ولما سوف يحصل مستقبلاً!.
لم أكن أشعر بالجوع أبداً، فلقد كنت مربوطةً بعمود يصل إلى سقف تلك الغرفة وكنت أحصل منه على ما أريد من مؤونة دون أي ثمن! بل على العكس شعرت أنني أحصل على ما أريد بابتزاز شديد!! من ذلك الشخص الغريب الذي لم يظهر يوماً أي علامة من علامات التضجر فيا عجبي!.
كان حجمي يزداد يوماً بعد يوم وكان عقلي وقلبي دائم الذكر لأناسٍ لم أعرفهم وكنت دائم الترديد لأسمائهم بشكلٍ لا إرادي ملفتٍ للنظر! فتارة أصرخ يا محمد وأخرى أصيح يا علي وأحياناً يا حسن…يا زهراء ولكني أبدأ بالبكاء حينما أصيح يا حسين! لم أكن أعرف لماذا أو كيف عرفت هذه الأسماء، ولكني كنت أحس برباطٍ متين يربطني بهم وأحس بارتياح شديد بعد مناداة كلٍ بإسمه حتى بعد بكائي..بعد صياحي يا حسين!!.
وفي يوم أسود استيقظت من النوم وكأن زلزالاً أصاب غرفتي المظلمة الهادئة، فبدأ عمودها الصلب بالانشقاق من سقفها وبدأت جدران الغرفة تقبل نحوي وكأنها ستنهار علي في أي لحظة، وبدأت بالدوران في اتجاهات عديدة، كنت خائفةً لدرجة الموت وإذا بنفق سري قد انفتح أسفل رأسي وبدأت بالانزلاق إلى داخله مثلما تنزلق الفريسة في بطن الأفعى!.
خرجت من ذلك النفق بصعوبة بالغة بعد أن كاد رأسي المدور أن يفقد شكله وإذا بي أرى أنواراً شديدة كادت أن تطفئ عينيَّ من شدتها، ورأيت بعض العمالقة يمدون بأيديهم نحوي ضاحكين يريدون أخذي.
وفي اللحظة ذاتها سمعت شخصاً صارخاً آهٍ..آهٍ..آه! توقف بمجرد أن أمسكني أحد العمالقة!.
أردت أن أصرخ في وجهه لكي يدعني وشأني ولكني لم أستطع النطق، ولم يكفه إمساكي بل وقام بقلبي رأساً على عقب وبدأ يضربني بقوة على رجلي حتى أبكاني وبعدها كف عن ضربي!.
وبعد ذلك وُضعت في حضن عملاق آخر كان ينظر إليَّ بنظراتٍ حنونة مليئة بالعاطفة وبدأ يبتسم لي فأحسست بالأمان وبادلته الابتسامة وشعرت بقوة خفية تشدني نحوه..
بعد سويعات قليلة أحسست بالجوع لأول مرة فبدأت بالصياح إلى أن جاء ذلك الشخص الحنون وقربني من صدره وألقمني شيئاً في فمي بدأ يدر عليَّ ماء أبيضاً لذيذ الطعم فبدأت بمصه كالمجنونة دون شعور حتى أسكت صراخي وصياحي وجعلني أخلد لنومٍ عميق.
مرت عليَّ أيام عديدة على نحو هذه الحالة وبدأت أشعر أن جسمي بدأ بالتعملق والازدياد للدرجة التي كنت أطلق فيها على نفسي بالعملاقة الصغيرة مقارنة بتلك العمالقة الذين أخرجوني عنوة من غرفتي الجميلة.
بعد فترة من الزمان بدأت أجلس ثم أحبو ثم أمشي وأصبحت قادرةً على الكلام الطلق ، ومرت السنون تترى وأدركت أنني كنت أقطن في بطن تلك السيدة التي كانت تصرخ أثناء خروجي من بطنها وأدركت فيما بعد أنها أمي.
أمي التي كان يجري في دمها حب آل البيت الأطهار الذي جرى في بدني من خلال ذلك الحبل السري الذي كان يربطني بسقف رحمها الواسع!.
وبعدما اشتد ساعدي وتوسعت مداركي تيقنت أنني أعيش في مجتمع يُحترم فيه الغني ويُحتقر الفقير فيه ويسحق القوي منهم الضعيف.
مجتمع يعج بالوحوش التي تأكل الأموال الحرام وتنهش من لحم بعضها البعض سواء بالغيبة أو النميمة أو الافتراء.. مجتمع أصبح الشريف يُرغي في الأقداح القذرة! بينما الخبيث أصبح يشرب من أقداح الذهب والفضة!
فهل أنا مجبرةٌ على الانتماء إلى هكذا مجتمع!!
مراراً وتكراراً تمنيت أن أبدأ دورة جديدة من مراحل إنسانيتي ولكن في اتجاه عكسي نحو الماضي، نحو التقزم والانكماش والتلاشي.. من خلال الرجوع إلى تلك الغرفة المظلمة حيث لا أرى منكراً ولا أسمع لغواً!
ولكن هيهات.. هيهات فتيقنت منذ تلك اللحظة أنني أنتمي إلى غابة سوداء تقطنها الوحوش فيا ترى ألهذا العالم أنتمي!.
<******>drawGradient()******>
ودمتم بخير